وداعاً بيروت: حرب سوريا من خلال الزجاج

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 آذار 16 7 دقائق للقراءة
وداعاً بيروت: حرب سوريا من خلال الزجاج
جرت أحداث هذه القصة في بيروت، خلال الفترة التي كانت فيها الثورة في سوريا تتحوّل بشكل مؤلم إلى حرب متعددة الجبهات تسببت بقتل أكثر من ربع مليون شخص وإجبار نصف السكان على النزوح من بيوتهم.
الحرب لم تنتهِ، لكن ذلك الزمن انتهى. والنزاع تطور من انتفاضة شعبية جميلة الى اقليمي، وبات اليوم عالميا، مع تنفيذ تنظيم الدولة الإسلامية اعتداءات دامية في باريس وكاليفورنيا وغيرها، ومشاركة روسيا الداعمة للنظام السوري في قصف مناطق سورية، الى جانب كوكبة اخرى من الدول تقصف مناطق اخرى.
لم تنجح جولات من المحادثات في جنيف في دفع البلد نحو السلام. وفيما أكتب هذه الكلمات، تنعقد جولة جديدة لا يعول عليها كثيرا. في الوقت نفسه، عشرات آلاف المدنيين المذعورين عالقون على الحدود مع تركيا ومستميتون للخروج من الاراضي السورية. الناشطون السوريون الذين لا يزالون موجودين على الارض، لا يكلفون انفسهم عناء التعليق على جهود السلام الدولية، فكل جهودهم تنصب على محاولة تسليط الضوء على المأساة الإنسانية التي آلت إليها البلاد بعد خمس سنوات من نزاع مدمر.
على الرغم من كل هذا، أحتفظ من تلك الفترة القاتمة بذكريات جميلة ومواقف عظيمة، كيف لا وهي ذكريات ومواقف بنيت على الحب! نعم الحب!
يوم غادرت بيروت برفقة خطيبي محمد غنام، لم يكن مضى على علاقتنا سوى اشهر. كان ذلك في آذار 2015. كنت أدرك أنني أغامر، لكنني كنت أشعر في قرارة ذاتي انه الصواب. كنت متيّمة بذاك الصحافي الفلسطيني السوري. كان يمثل كل ما حلمت به: بشعره الطويل، وذاك الشعاع في عينيه البنيتَين الكبيرتين، وحس فكاهة رائع، واحساس مرهف... كما كان مولعا بالسهر والاحتفال.
لم يكن لدى محمد خيار غير المغادرة.
في سوريا، سجن محمد لمدة أكثر من سنة، بينها أشهر عدة من التعذيب، وذلك بعد أن شارك في تظاهرات سلميّة ضد النظام وقام بتوثيقها. أطلِق سراحه في حزيران 2013، فاتجه مباشرة إلى لبنان حيث اعتقد -على غرار أكثر من مليون سوري آخر– بأنه قد يكون بأمان.
في منزلنا الجديد في باريس، روى لي محمد وهو يدخّن نرجيلة سورية الصنع اشتراها قبل مغادرته بيروت بأيام، اختباره في بيروت. «بدأت الأمور بشكل جيد. لم أحظَ بفرصة لاختبار بيروت من قبل، مع العلم بأنها على مسافة قصيرة في السيارة من دمشق. كنت قد سمعت الكثير عنها، وأنّها مفعمة بالألوان، وفيها الحرية والفن والموسيقى والطعام اللذيذ».
عمل غنام مع صحيفة «نيويورك تايمز». وانتقل أعز أصدقائه من دمشق إلى بيروت. معاً اختبرا بعض أجمل اماكن السهر في العالم. ولم يتطلب تأقلمهما الكثير من الوقت، فالحواجز الثقافية قليلة، والمدينة التي استضافت على مر العقود موجة تلو الاخرى من المنفيين السياسيين، تحولت هذه المرة الى مركز للناشطين والفنانين والموسيقيين والصحافيين السوريين.
وقال غنام «عشنا أوقاتاً رائعة. التقيت بأشخاص مميّزين غيّروني وساعدوني في أن أصبح الشخص الذي أنا هو عليه اليوم. ظننت أنني سأبقى مدة ثلاث سنوات على أبعد تقدير في لبنان، وأن النظام سيسقط بعدها. كنت مؤمناً بأنني سأعود إلى سوريا عاجلاً وليس آجلاً».
- «من يرقة إلى فراشة» -
إلا أن الأحداث في سوريا اتخذت مساراً آخر، وسرعان ما انعكست على لبنان. بعد أكثر من سنة على وصوله، تلقى غنام الأمر بالمغادرة.
هو لم يكن الوحيد في اختبار علاقة حب قصيرة الأمد مع بيروت. فصديقي محمد نور الأقرع اختبر الأمر ذاته. كان ناشطا في حمص وأصبح مراسلاً صحافيا. كان في الحادية والعشرين من العمر عندما هرب من حي بابا عمرو إثر سيطرة القوات النظامية السورية عليه في أوائل العام 2012.
وصل الأقرع إلى لبنان مصدوماً، إنما سعيداً. كان قد زار البلاد مرة من قبل في العام 2008. 
انتهى به الأمر أخيراً في برلين، لكن بيروت كانت طعم الحرية الأول في حياته. عن تلك الفترة من حياته، يقول من موطنه الاوروبي الجديد، «أذكر الشعور. وكأن رئتاي تضيقان بالهواء». 
وجد الاقرع كذلك عملاً جيداً في بيروت مع جريدة اجنبية. واكتسب أصدقاء من كافة أنحاء العالم. من فتى صغير خجول، تحول إلى شاب واثق بنفسه. واذا اردت استعمال كلماته الاكثر تعبيرا وجمالا، فقد قال «في سوريا كنت يرقة. في بيروت أصبحت فراشة».
ثلاث سنوات بعد انطلاق الانتفاضة السورية، لم يعد لبنان المكان الاكثر ملائمة للاجئين السوريين، وبدأوا يواجهون تعقيدات ناتجة عن إجراءات جديدة فرضت عليهم. في ذلك الوقت، كان لبنان أصبح موطنًا لأعلى نسبة لاجئين في العالم مقارنة بعدد سكانه.
حتى اليوم، لا يزال مئات الاف اللاجئين يعيشون في بؤس شديد. بالكاد تصل المساعدات إلى المخيمات المؤقتة المنتشرة في كافة أنحاء البلاد. بعض الاطفال عملوا في مزارع البطاطس مقابل سبعة دولارات في اليوم، وتركوا من دون تعليم. في مخيمات مستحدثة، قاوموا الثلوج في الشتاء والجفاف في الصيف.
في المقابل، تدفق سيل من الشباب الى بيروت، مع طاقة وإبداع ورغبة في المساعدة. في الوقت ذاته كانوا يسهرون في العاصمة اللبنانية، ويتعرّفون إلى أشخاص من كل أنحاء العالم ويناقشون علنًا –ربما للمرة الأولى في حياتهم– أمورا مثل الدين والإلحاد والطائفية والسياسة. 
وعزف الموسيقيون السوريون مع الفنانين اللبنانيين، ما أدى إلى انفجار إبداعيّ تمايلت على أنغامه شوارع بيروت من الحمرا إلى الجميزة.
ووقع بعضهم في الحب، وكرسوا علاقاتهم في اعراس أنشد خلالها المدعوون أغاني، لكن ايضا شعارات ثورية كانت تطلق في حمص او في حلب. في حين انفصل عشاق تحت وطأة ضغوط المنفى واثقاله.
في صيف 2014، بدأت أسمع من عدد متزايد من الأشخاص كيف لم يبقَ أمامهم سوى خيار الرحيل. غنام والأقرع كانا بين هؤلاء. 
وروى غنام «حاولت الحصول على إقامة وإجازة عمل من السلطات، لكنها رفضت». وأضاف أنه تبلغ بان لا حق له بالعمل كصحافي في لبنان، لأنه فلسطيني.
مع تدفق اللاجئين السوريين الى لبنان، شددت السلطات اللبنانية اجراءاتها وعمليات التدقيق، ما جعل عملية الحصول على اذن عمل، امراً صعباً جداً. علماً ان لبنان الذي يستضيف حوالى أربعمئة ألف فلسطيني على ارضه، يمنعهم أصلاً من العمل في مجالات عديدة.
وقال غنام «شعرت بأن حياتي قد انتهت»، مشيراً إلى أن دولاً أخرى مثل تركيا ومصر والأردن رفضت أيضاً إدخاله اليها، لانه فلسطيني.
- من حلم إلى كابوس -
الأقرع أيضاً حاول أن يجدد إقامته، دون جدوى.
وقال لي مستذكرا «كثيرون لا يفهمونني حين أقول هذا، ولكن فعلاً، مغادرة بيروت كانت أصعب علي من مغادرة حمص».
في الأشهر التي سبقت مغادرتهما، عاش الشابان في خوف دائم، ينظران بقلق إلى أي عنصر أمن يصادفانه. كانا يخشيان توقيفهما، إنما أيضاً إعادتهما قسراً إلى سوريا.
تحول حلمهما إلى كابوس غذته مشاعر الرفض ورهاب الإحتجاز، وفاقمته الجراح النفسية التي يحملانها من معاناتهما في سوريا.
واستمر ذلك حتى وصول تأشيرتيهما، بطاقتي سفرهما إلى المستقبل.
الأول من آذار تاريخ لن أنساه أبداً. ركبنا الطائرة غنام وأنا إلى باريس. شعرت يومها أن هذه المغامرة الجديدة التي أنطلق بها مع من أحبّ كانت هدية مدهشةً من بيروت، المدينة التي أحبها كثيراً وأكرهها كثيراً، والتي ترعرع فيها أهلي وتركاها خلال الحرب الأهلية.
بعد بضعة أشهر، غادر الأقرع إلى ألمانيا. نحن لا نزال على اتصال. وهو يقول إنه من المبكر التكلم عن مشاعر المنفى. فقد اجتمع مجدداً مع أصدقاء سوريين آخرين موجودين في ألمانيا. لكنه يقول ضاحكاً «الشيشة في برلين أقل ثمنا منها في بيروت».
في أواخر صيف 2015؛ في ذروة أزمة اللجوء، كان يصل يومياً الآلاف من الأشخاص إلى شواطئ اليونان وإيطاليا في قوارب غير صالحة للملاحة. غالبيتهم كانت من السوريين، يليهم العراقيون والأفغان ومواطنو بلدان أخرى غارقة في انعدام الأمن وفي الفقر. 
قمت في تلك الفترة بمهمتين لن أنساهما أبداً، منتدبة من وكالة فرانس برس. فقد أمضيت أسبوعين في جزيرة كوس اليونانية، ثم سلكت الطريق المعروف باسم طريق البلقان للاجئين، متعقّبة أثر زوجين عراقيين وطفلهما آدم البالغ من العمر ثلاثة أشهر، في طريقهم صعوداً نحو أوروبا الغربية. 
سمعت وكتبت حينها روايات عديدة مماثلة لروايتي غنام والأقرع، مع فارق بسيط، وهو ان صديقي وخطيبي حالفهما الحظ واستطاعا السفر إلى أوروبا على متن طائرة.
اختبر العديد من اللاجئين العنف المروع والاضطهاد، ليس في سوريا فحسب، بل في العراق وأفغانستان أيضاً. أما السوريون بينهم فهم يهربون من الجميع، من كل اطراف هذه الحرب المدمرة، من الثوار والجهاديين والقوات الحكومية والقوات الكردية... 
الحرب مجنونة، هذا ما علمتني إياه أمي. كان صدى كلماتها يتردد بقوة عند رؤيتي لعائلات بأكملها نائمة على شاطئ البحر في خيم رديئة، في انتظار الأذن لإكمال الطريق.
في أوروبا، رحب الكثير من الناس باللاجئين، وفهموا بصورة فطرية، أن مخاطرة هؤلاء بحياتهم وتجاوزهم الحدود تلو الأخرى للوصول إلى هنا، يعني ان لديهم سببًا وجيهًا للهرب. على الرغم من ذلك، واجه أوروبيون آخرون هذه المأساة باللامبالاة أو بالرفض، ما يضع ضمير القارة قيد الإختبار.
وعلى الرغم من مصاعب التأقلم الهائلة –مرة أخرى– في بلد جديد، لم يخسر غنام والأقرع تفاؤلهما. لديهما وظيفتان جديدتان، وهما يحققان تقدماً باهراً في تعلم لغة البلد الذي يتواجدان فيه.
أما أنا، فسعيدة جداً في حياتي الجديدة مع زوجي المستقبلي في باريس، لكنني أفكر كثيراً ببيروت. لحسن حظي، بإمكاني أن أزورها متى شئت. الكثير من السوريين الذين أحبوا المدينة بشدّة ممنوعون من دخولها. 
يقول الأقرع، بنبرة ممزوجة بالمرارة والحنين، «لقد خسرنا بيروت». 
يقول غنام بلهجة تحدِّ «بيروت خسرتنا».

(نص مترجم من اللغة الإنكليزية)
 
A+
A-
share
آذار 2016
أنظر أيضا
01 كانون الأول 2017
01 كانون الأول 2017
01 كانون الأول 2016
01 كانون الأول 2016
أحدث فيديو
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam

السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة

حزيران 03, 2022 بقلم امل عيسى، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
14 حزيران 2022 بقلم علي عواضة، صحافي
14 حزيران 2022
بقلم علي عواضة، صحافي
13 حزيران 2022 بقلم دايفيد عواد، أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية الاميركية مدير معهد الدراسات والبحوث البيئية
13 حزيران 2022
بقلم دايفيد عواد، أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية الاميركية مدير معهد الدراسات والبحوث البيئية
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد