نهر البارد

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 كانون الأول 13 6 دقائق للقراءة
 نهر البارد
© UNDP
إثر بدء المعركة بين الجيش اللبناني وتنظيم فتح الاسلام عام 2007، تهجر أهل مخيم نهر البارد وعددهم نحو أربعين ألفاً باتجاه مخيم البداوي والقرى المجاورة التي عانت من الحصار الإقتصادي، وقتل العشرات من أبنائها العسكريين في المعارك. ورغم إعلان قيادة الجيش في 1 أيلول من العام نفسه انتهاء المعركة، لم تعد الحياة هنا إلى طبيعتها.

لا يكاد ينتهي أوتوستراد الرئيس رفيق الحريري المحفر في المنية  أو"مدينة الرئيس رفيق الحريري" كما تسمي نفسها، حتى تبرز على يمين الطريق أحراش خضراء تتحول على يسار الطريق نفسه إلى مكعبات يتداخل فيها الباطون بالإترنيت والقصب وألواح الحديد. هذا مخيم نهر البارد، وما الأحراش إلا ضفاف النهر الفاصل بين قضائي المنية – الضنية وعكار. فيما يحمل النهر إلى مصبه في المخيم غالبية الهاربين من فقر بلداتهم في المنية والضنية وعكار. تقدر المسافة من طرابلس إلى هنا بستة عشر كلم، وقد ابتدأ عام 1949 تشييد المخيم لإيواء لاجئين فلسطينيين من منطقة بحيرة الحلوة شمال فلسطين.

يسيج عناصر الجيش المنطقة: لا يمكن الدخول أو الخروج إلا من ثلاث بوابات عسكرية يتشدد الجيش في ضبطها. واستجابة لإلحاح الفلسطينيين في المطالبة بتسهيل دخولهم واللبنانيين إلى المخيم والخروج منه، بات يمكن اللبناني دخول المخيم بمجرد أن يبرز هويته على الحاجز وأن يقنع العسكري أن هدفه من زيارة المخيم تجاري بحت. وبالرغم من ذلك، ما زال يمكن ملاحظة الحدود الجديدة بين المخيم وجواره التي لم تكن قائمة قبل "حرب البارد". فالآن فقط بات الزائر ينتبه إلى "داخل المخيم" وخارجه، بعدما كانوا منطقة واحدة.

في الطريق إلى داخل المخيم، يشرح مسؤول حركة حماس في المخيم عبد الرحيم شريف أن علاقة الفلسطينيين بجيرانهم اللبنانيين الإجتماعية لم تتأثر. فالمصاهرات بين المخيم والجوار التي تتجاوز الأربعمئة في تطور مستمر، وكذلك العلاقات الإجتماعية التي يعبر عنها بتبادل الزيارات في الأفراح والأتراح.

ويشرح شريف أن القتال لم يكن بين المخيم وجواره، بل بين جيش في عديده بعض أبناء الجوار وتنظيم إسلامي في عديده أيضاً بعض قليل من أبناء المخيم. ولا يمكن بالتالي أبداً الحديث عن حرب بين المخيم وجواره. ناهيك، يتابع المسؤول الفتحاوي نفسه، أن المخيم متصالح مع جواره طائفيًا، خلافًا لغالبية مناطق النزاع الأخرى في لبنان. الأمر الذي حال دون القدرة على تأجيج الأزمة. وحتى سياسيًا، القوى المسيطرة في المخيم وفي مقدمتها حركة فتح تلتقي مع القوى المسيطرة في قرى الجوار وفي مقدمتها تيار المستقبل.

وفي المخيم، عبثاً يبحث الزائر عن فرد تعرض لإهانة أخيرًا في إحدى قرى الجوار، أو أقله سمع انتقادًا. مشكلة أهل المخيم مع الإجراءات الأمنية التي يتخذها الجيش وليس مع جيرانهم، تؤكد اللجنة الأمنية في المخيم ذلك. بينما يجزم المسؤولون في قوى الأمن الداخلي في منطقة العبدة عدم حصول أي إشكالات فردية بين أهل المخيم ومواطني الجوار. ورغم سقوط 168 شهيد من الجيش اللبناني في معركة البارد، بينهم 87 من قضاء عكار المتاخم للمخيم، لم يرتفع ولو صوت عكاري واحد ينادي بالانتقام من الفلسطينيين أو يهددهم ويتوعدهم.

الأمر نفسه، يمكن سماعه في القرى المحاذية للمخيم. يستغرب رئيس بلدية المحمرة عبد المنعم محمد عثمان السؤال عن توتر ما في العلاقة بين قريته والمخيم الواقع في مشاعها. ويشير إلى "ود تاريخيّ" بين المجتمعين، و" نعيش مع بعض". ويقول عثمان إنه لا يُسأل عن علاقة المحمرة بنهر البارد إلا من قبل جميعات المجتمع المدني والدول المانحة. ويشرح أحد مساعدي "الريس" عن حصول غالبية القرى المتاخمة للمخيم على تعويضات سخية من المنظمات الدولية إثر انتهاء الحرب، خصصت غالبيتها لمشاريع إنمائية. أما شهادات الأهالي فتشير إلى اكتشافهم خلال الحرب وبعدها حجم الترابط الإجتماعي والإقتصادي وحتى العائلي الذي يربطهم بالمخيم: "ليس في بلدتنا عائلة لم يزوج أو يتزوج من المخيم"، يقول الحاج مصطفى مزقزق. وتضيف سيدة: "لولا الحرب لما عرفنا أن في طرابلس سوقاً تجاريًا".

 

إجتماعيًا، سياسيًا، أمنيًا وحتى طائفيًا لا مشكلة بين المخيم وجواره؛ المشكلة إقتصادية. المتضرر هنا فريقين. أهل المخيم ويختصر المسؤول الحمساوي عبد الرحيم شريف مشكلتهم كالتالي: لم يعد المخيم سوق جواره التجاريّ. والجيران الذين خسروا سوقًا قريبًا كانوا يتسوقون به ويستفيدون في تجارتهم من ازدهاره. تبدو المشكلة في الجانب الفلسطيني كبيرة: "ليس للمخيم سهل يزرعه أو شاطئ يطعمه أو مصانع. وسوق العمل اللبناني مقفل أساساً. نتيجة لذلك، كانت التجارة مصدر الدخل الأساسي لأهل المخيم. يوضح مسؤول اللجنة الاعلامية للجنة تجار المخيم نادر السعيد هنا أن عدد التجار بلغ عند بداية الاشتباك بين الجيش وفتح الاسلام 1500 تاجر قدر رأسمالهم لاحقاً بنحو 100 مليون دولار. راكم هؤلاء خلال سنوات ثروات ضخمة جعلت سوق الصاغة في المخيم الأكبر في لبنان، وسوق الرخام ومشتقاته الأكبر في لبنان وسوريا وحتى العراق. من كان يملك سيولة مالية من هؤلاء خرج ولم يعد. أما من عاد فحصل من الصندوق المولج بإعادة إعمار البارد على مساعدة تتراوح قيمتها بين بين4000  و 9500 دولار لـلمؤسسات الكبيرة، و 1500 و 2500 دولار للصغيرة. ولاحقًا وجد نفسه في شبه سوق لا يزوره من خارج المخيم إلا المغامرين، أو الراغبين بتضييع الوقت في الإجراءات الأمنية، ونصف ساعة في البحث عن السوق.

والمشكلة من الجانب الفلسطيني، في خلاصة حوارات مع عشرات التجار، تتلخص بخمس نقاط: أولها، إغلاق منافذ التهريب التي كانت توفر للبارد المنتوجات بنصف سعرها في الأسواق الأخرى. ثانيها، نزوح كبار الصناعيين (مفروشات خصوصًا) والمستوردين (كهربائيات ورخام) إلى طرابلس، وصغار الصناعيين (غزل البنات، مكسرات، ثياب) إلى مخيم البداوي، ومعهم أسعار منتوجاتهم المنخفضة. ثالثها، الإجراءات الأمنية التي تحول دون إقدام الكثيرين على زيارة المخيم، ناهيك عن إيحاء هذه الإجراءات للمواطنين أن الأمن لم يستتب بعد في الداخل والأمور ليست بخير. ويذكر عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية ومسؤولها في لبنان علي فيصل أن 75% من التجارة كانت تركز في اسواق المخيم القديم الذي ما زال يصنف كمنطقة عسكرية. رابعها، عدم قدرة تجار البارد على تحمل الركود بضعة أيام متتالية، واضطرارهم بالتالي لضيق الأحوال المادية إلى النزوح مع ما تبقى من رأسمالهم إلى خارج المخيم بحثاً عن سوق مزدهر. خامساً، وجود محلات تجارية على طول الطريق من المخيم إلى حلبا شمالاً وإلى طرابلس جنوباً بقيمة تأجيرية أرخص بكثير مما سيدفعه الفلسطيني إذا قرر ترميم متجره. ويشرح مسؤول الجبهة الشعبية في لبنان ومسؤول ملف نهر البارد مروان عبد العال هنا أن "التجار فتحوا أخيراً متاجر في العبدة والمنية وفي مدينة طرابلس، وبذلك يكون البارد قد خسر موقعه الاقتصادي ليتم افتتاح أسواق جديدة محاذية له وعلى أبوابه، وخسر كتلة مالية لتجاره وفرص عمل لأبنائه".

المتضرر من الأزمة الاقتصادية طرفين. أبناء المخيم كما سبق وأبناء القرى المجاورة. ويمكن تحديد المشكلة بالنسبة لهؤلاء بثلاث نقاط أساسية: أولها، مزاحمة الفلسطينيين، النازحين تجارياً من مخيمهم، لهم في قراهم. ثانيها، ارتفاع قيمة الإيجارات بحكم ارتفاع الطلب، الأمر الذي يفيد أصحاب الملك ويضر الراغبين بالاستئجار من أبناء هذه القرى. ثالثها، سقوط صفة المنطقة التجارية عن المنطقة المحيطة بالبارد، فلم يعد إبن القرى النائية في عكار يقصدها بحثاً عن ضالته ولا أبناء الضنية والمنية وطرابلس وحتى البترون وزغرتا وبشري.

 

كادر: تجمع دكاكين

لا علاقة للثكنة المأهولة بالمدنيين القائمة اليوم في منطقة نهر البارد، بالأحياء الشعبية الملونة بالدكاكين التي اعتاد أهالي الجوار اللعب وسطها. لا سوق الصاغة هنا ولا دكاكين الشوكولاتة وصناع غزل البنات والطرابيش وباعة الدراجات الهوائية ومصلحيها. طيرت الحرب مخيمًا: لا أصوات باعة ولا سيارات تناطح بعضها البعض و"طرطيرات" تظنها ستتسلق سطح سيارتك. ذهبت الأسواق والأصوات وروائح الحلو العربي المتداخلة مع رائحة الزعتر والزعفران وعقود الغادرينيا والياسمين. في البارد الآن متاجر مرتبة، جدرانها بيضاء، واجهاتها زجاجية (...) لكن ليس في أسعارها ما يميزها عن متاجر عكار أو حتى بيروت. سدت الحرب منافذ التهريب البحري من وإلى سوق البارد فلم يعد فيه سلعًا بنصف ثمنها في الأسواق الأخرى. كما لم يعد البارد سوقًأ للسلاح وتوابعه، وللمفروشات والمواد الغذائية وكل ما يخطر على البال. لم يعد البارد ذلك السوق الإستثنائي، بات مجرد تجمع دكاكين يشبه غالبية الأسواق في المناطق الآمنة الأخرى.

تصوير مصطفى جمال الدين «السفير»

A+
A-
share
كانون الأول 2012
أنظر أيضا
01 كانون الأول 2013
01 كانون الأول 2013
01 كانون الأول 2013
01 كانون الأول 2013
أحدث فيديو
الكشاف ... بناة سلام
SalamWaKalam
الكشاف ... بناة سلام
SalamWaKalam

الكشاف ... بناة سلام

أيار 05, 2022 بقلم مريم فنيش، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
12 أيار 2022 بقلم محمد ناصر
12 أيار 2022
بقلم محمد ناصر
12 أيار 2022 بقلم عبير أبو درغم
12 أيار 2022
بقلم عبير أبو درغم
05 أيار 2022 بقلم نور يزبك، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
05 أيار 2022
بقلم نور يزبك، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد