وادي بسري: فهم ثروة بسري وخطابها الوطني

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 24 آذار 21 بقلم جوي أيوب، باحث 4 دقائق للقراءة
 وادي بسري: فهم ثروة بسري وخطابها الوطني
©عذراء قنديل
هذه المقالة هي دعوة لاستكشاف الروابط بين الحراك لوقف مشروع سدّ بسري، وهو مشروع مقترح في وادي بسري الواقع في جبل لبنان، والأهميّة الأكبر لدمج منظور العدالة البيئيّة والإجتماعيّة مع فهمنا للسياسة اللبنانية الحديثة.

هذه المقالة هي دعوة لاستكشاف الروابط بين الحراك لوقف مشروع سدّ بسري، وهو مشروع مقترح في وادي بسري الواقع في جبل لبنان، والأهميّة الأكبر لدمج منظور العدالة البيئيّة والإجتماعيّة مع فهمنا للسياسة اللبنانية الحديثة.

يقع وادي بسري في أرض خضراء خصبة، جنوب غرب بيروت، ويضمّ مساحات شاسعة من أشجار الصنوبر والحمضيّات بالإضافة إلى الآثار القديمة. ويهدّد مشروع سدّ بسري كلّ ذلك لأنّه يتطلّب غمر جزء كبير من الوادي.

بالإضافة إلى تكاليفه البيئيّة الواضحة، تجدر الإشارة إلى أنّ مشروع سدّ بسري، على الرغم من كونه مثيراً للجدل بين عامة السكان، يظلّ رمزياً للغاية بالنسبة إلى الطبقة السياسية اللبنانية. إنّها ليست سوى أحدث سياسة لبنانية في مرحلة ما بعد الإستقلال تعود إلى عقود. ومنذ ذلك الحين، إعترض العديد من الأكاديميين على "الاستراتيجيّة الوطنية الطويلة الأجل لإنشاء سدود تغطّي كامل البلاد"[i] بسبب تكاليفها البيئيّة والإجتماعيّة، ولكنّ ذلك لم يمنع أعضاء الطبقة السياسية اللبنانية من إعادة تدوير هذه الأفكار البالية.

في الواقع، الأمر الذي يفاجئ معظم الناس هو عمر مشروع سدّ بسري، الذي يعود تاريخه إلى عام 1953، بعد عشرة أعوام فقط من الإستقلال. ولم يتمّ إحياؤه إلّا في عام 2014 بدعم من البنك الدولي، ومنذ ذلك الحين قوبل بمعارضة شديدة من الأكاديميين والناشطين. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، ألغى البنك الدولي تمويله للمشروع "بسبب عدم إنجاز المهام التي تشكّل شروطاً مسبقة لبدء بناء سدّ بسري"[ii]. ونحن حتى الآن لا نعرف ما سيكون وضعه النهائي، مع بقاء خطر إعادة إطلاقه في المستقبل القريب حقيقياً.

إنّ تخطّي مثل هذه المشاريع مراحل التاريخ اللبناني المتعدّدة يشير إلى مشكلة أعمق بكثير تتعلّق، مثلها مثل الكثير من الأمور في لبنان، بالزبائنيّة والفساد الذي يسيطر على الحكومة اللبنانية. وكما قالت جود مبسوط في أطروحتها حول مشروع سدّ بسري، فإنّ هذه المشاريع تصوغها الطبقة الحاكمة في لبنان كمناورات سياسيّة "تُرسّخ القوى القائمة وتُفاقم الإنقسامات المجتمعيّة".[iii] ويتمّ ذلك من خلال مخصّصات محدّدة لرأس المال على أساس حسابات الزبائنية (على سبيل المثال، قد يدعم سياسي أو حزب سياسي مشروعاً "تنموياً" على أساس الروابط التي يمكن أن يجلبها، والربح الذي قد يحقّقه منه، وما إلى ذلك). كما أنّه يقترن بالحسابات الطائفية المعتادة التي تجعل بعض الأحزاب السياسية أكثر اهتماماً بمناطق معيّنة و"تنميتها" من غيرها.

وبما أنّ مختلف الأطراف التي استثمرت في مشروع سدّ بسري تناشد بانتظام الخطاب الطائفي القائم، فإن اتّباع نهج العدالة البيئيّة لمعالجة مسأّلة وادي بسري هو المناسب فقط. إنّ هذه الحقيقة ليست سوى أحدث مثال على تصدّر الإهتمامات البيئيّة والصحيّة دائماً طليعة الحركات الإحتجاجيّة في لبنان، بما في ذلك إحتجاجات "طلعت ريحتكم!" في 2015 التي كانت أكبر إحتجاجات مستقلّة إلى حين إنطلاق ثورة تشرين 2019. وقد ظهرت حملة "أنقذوا مرج بسري" بين هذين الإحتجاجين.

ربطت إحتجاجات "طلعت ريحتكم!" بشكلٍ صريح أزمة النفايات التي تؤثّر على بيروت وجبل لبنان بالزبائنيّة والطائفيّة التي يُنظر إليها على أنّها متجذّرة بعمق في المؤسسة السياسية اللبنانية. وأثارت صور أكياس القمامة التي تتراكم في شوارع المنطقتين مقارنات مع نظام سياسي متحلّل، ممّا سمح للعديد من الناس برؤية الروابط المباشرة بين السياسة والبيئة. ومع ذلك، لم تتمكّن حملة "طلعت ريحتكم!" في العام 2015، من صياغة مطالب تستند إلى إطار العدالة البيئية، وهو درس أعتقد أنّ نشطاء "أنقذوا مرج بسري"  قد تعلّموا منه. ومنذ ثورة تشرين 2019، ربط نشطاء "أنقذوا مرج بسري" حملتهم بشكل روتيني بالإحتجاجات الأوسع نطاقاً، حتى أنّهم إستعانوا بالهتافات التي كانت تُردّد في شوارع بيروت وطرابلس وأماكن أخرى.

ونقلاً عن مبسوط مجدّداً قولها: "يمكن النظر إلى عملية التدمير البيئي والثقافي اللامتناهي بالتوازي مع حالة الإحتجاج المستمرّة، على أنّها معركة من جانبين مع المناظر الطبيعية في الوسط؛ معركة من أجل عوالم مختلفة من المناظر الطبيعية".[iv] وبعبارة أخرى، فإنّ وادي بسري هو في طليعة صراع طويل ومستمرّ بين الأماكن العامة والمشتركة والمصالح المؤيّدة للخصخصة داخل المؤسسة السياسية. ولقد رأينا هذه الأمور بشكلٍ أكثر تواتراً في السنوات الأخيرة، حيث قدّم النشطاء في جبل لبنان وبيروت وغيرهما، مطالب صريحة يمكن القول بأنّها ذات طبيعة خاصة بالعدالة البيئية، ولو بشكلٍ غير مباشر.

فعلى سبيل المثال، يحاول المتظاهرون في بيروت خلال ثورة تشرين 2019 ومنذ إنطلاقها، إستعادة المساحات المخصخصة في وسط بيروت،[v] والتي لا يزال يعتبرها العديد من اللبنانيين حَرفياً "البلد" -مساحةٌ عامة حيث يستطيع الناس من جميع الطوائف والخلفيات الإختلاط فيها. ومن شأن ذلك أن يمهّد الطريق نحو تخضير هذه المساحات في السنوات المقبلة، وعكس التوجّه الذي يعود إلى الأيام الأولى من لبنان ما بعد الاستقلال، حيث حدّت مشاريع البنية التحتيّة الضخمة والخصخصة الجماعية من المساحات التي كانت تعتبر في السابق عامة أو مشتركة.

 

ولهذا السبب، نستطيع أن نستنتج أنّ الإهتمامات البيئيّة والصحيّة سوف تصبح جزءاً متزايداً من المطالب السياسية، وخصوصاً منذ انفجار الرابع من آب في بيروت وجائحة كوفيد-19 المستمرّة، ناهيك عن آثار الإحتباس الحراري العالمي. ومن المرجّح أن يكون هذا أمراً حتميّاً نظراً إلى حجم هذه المشاكل المترابطة، والوقت هو الذي سيثبت ذلك.

A+
A-
share
آذار 2021
أنظر أيضا
24 آذار 2021 بقلم باسكال صوما، صحافية
24 آذار 2021
بقلم باسكال صوما، صحافية
24 آذار 2021 بقلم أمال خليل، صحافية
24 آذار 2021
بقلم أمال خليل، صحافية
09 كانون الأول 2020 بقلم رنا الزين، محاضرة غير متفرّغة وباحثة في حامعة القديس يوسف - مستشارة في علم البيئة
09 كانون الأول 2020
بقلم رنا الزين، محاضرة غير متفرّغة وباحثة في حامعة القديس يوسف - مستشارة في علم البيئة
أحدث فيديو
تحميل المزيد