المبادرات الفردية في الشوف - عاليه: نتضامن كحلٍّ وحيد للنجاة

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 07 آب 23 بقلم فؤاد بو غادر، صحافي 6 دقائق للقراءة
المبادرات الفردية في الشوف - عاليه: نتضامن كحلٍّ وحيد للنجاة

لم تكن السنوات الثلاث الماضية طبيعية على اللبنانيين. تحوّل معيار "الطبيعية" في لبنان إلى العيش بأقل خسائر، إذ باتت أدنى الحقوق ذكريات نرددها مع شعار "بتتذكروا أيام الـ1500". اختبار هذه الحقوق من جديد بحاجة لتذكرة سفر وأي عملة صعبة، هذا عدا عن الليرة المنهارة، سواء للهجرة أو لإمضاء بضعة أيام في "البلاد الطبيعية". 

 

لا حلّ أمام الفئة الأكبر من اللبنانيين، أو حاملي الليرة لا العملة الصعبة، سوى التأقلم والتعايش مع الواقع. سوسيولوجياً، يمكن للشعوب التأقلم مع أية ظروف رغم الفروقات الكبيرة بين المجتمعات، والفروقات الفردية بين أبناء المجتمع الواحد. 

 

بشكل شبه يومي، تؤكد التقارير أننا في لبنان نعيش لننجو، لا أكثر. "الشعب اللبناني من أتعس الشعوب، ومعدلاتالتضخم تبلغ معدلات قياسية، وطبقة الفقراء تزداد فقراً كل شهر"… هي عينة مما نتابعه، حتى باتت أخبار عادية تتحول إلى مزاح، "عقبال ما نصير المرتبة الأولى ونسبق أفغانستان". 

 

تضامن الأهالي… كحلٍّ وحيد

 

استنتج اللبنانيون أن لا حل أمامهم سوى التضامن. تجسّد ذلك باحتجاجات 17 تشرين الأول/ أكتوبر، قبل أن تنتصر السلطة السياسية وتحبط الأغلبية المطلقة من المطالب. تحول هذا التضامن، أو النضال، كتعبير مدغدغ للمشاعر، إلى مبادرات فردية لعبت دوراً أساسياً في مواجهة مخلّفات تفجير الرابع من آب، وفي التخفيف من تأثيرات الانهيار الاقتصادي. 

 

تبتعد المبادرات الفردية كل البعد عن دور الجمعيات التي تعتمد بمعظمها على تمويل الهيئات والمنظمات دولية. أما المبادرات فهي تلك التي تقوم على جهود مجموعة من "المندفعين"، آملين أن تخفف جهودهم من آثار الضيقة التي يعيشها القريبون منهم. 

 

 

تكثر هذه المبادرات في المناطق الهشة، والتي تعاني تهميشاً تضاعف منذ بدء الأزمة أواخر عام 2019. لا يعني هذا أن المبادرات الفردية غائبة عن بيروت والمدن الكبرى، بل هي موجودة إلى جانب دور بعض الجمعيات والمؤسسات والعائلات، على عكس مناطق الأطراف. حسب بعض القائمين على تلك المساعي، انعدمت التقديمات الحزبية في غالبية المناطق بعد الانتخابات النيابية (أيار/مايو 2022) ما دفع الأهالي للبحث عن الحلول الفردية. 

 

باتت هذه المبادرات في كل بلدة من الشوف وعاليه، رغم ندرتها خلال الفترة التي سبقت الأزمة والتي اقتصرت على بعض النشاطات الترفيهية وتنظيم الرحلات والمعارض. اليوم، تحوّل دور هذه المبادرات إلى البحث عن الدواء، ومساعدة الفئات الأكثر فقراً، وتغطية الحد الأدنى من تكاليف تعليم طلاب المدارس الرسمية كبدلات النقل… وصولاً لإجراء بعض العمليات الجراحية لأهالي البلدة.

 

"نادي شباب المشرفة": الأولوية للأهالي

 

من بين المبادرات اللافتة في قضاء عاليه، نادي شباب المشرفة، الذي يستهدف مختلف الفئات العمرية من أهالي البلدة. تأسس في العام 2017، من قبل مجموعة من الشابات اللواتي سعينَ لبث بعض الحياة في بلدتهن الهادئة التي تفتقر لأي نوع من النشاطات. والمشرفة هي بلدة جبلية في قضاء عاليه، تبعد حوالى 30 كلم عن العاصمة بيروت. 

 

يضم النادي اليوم 40 شاب وشابة، والهدف الأساسي منه التوعية من خلال تشجيع الأفراد على المشاركة الاجتماعية. في العام 2020، سخّر جهوده لمساعدة الأهالي خلال فترة الحجر من خلال إيصال المساعدات الطبية والتوعية على مخاطر كورونا. تعتبر مؤسسة النادي، رامونا سري الدين(25 سنة)، أن فترة الحجر شكلت نقلة نوعية في دورهم على صعيد البلدة. 

 

لم يغب النادي عن أزمة انقطاع الأدوية التي عاشها لبنان، فعمل أعضاؤه على تأمين الأدوية من جمعيات تركية وأمريكية للأهالي مع إشراف الأطباء. اليوم، يقوم النادي بدعم المزارعين من خلال تأمين البذور والأدوية اللازمة للمزروعات. وحسب رامونا، "يسعى النادي دوماً لتمكين نساء البلدة من خلال إشراكهن بالمجال الصناعي". 

 

 

يعتمد تمويل النادي على المغتربين وبعض الأهالي، إلى جانب بعض النشاطات الترفيهية التي تُنظم بأسعار رمزية لدعم الصندوق. من أبرز التدريبات التي نظمها النادي مؤخراً،  هي الإسعافات الأولية للفئات الشابة، بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني، مقابل التوعية على مخاطر التنمر والتحرش للفئات العمرية الأصغر. 

 

وتشير رامونا، إلى أن أسس النادي تقوم على الإبتعاد عن كل ما يتعلق بالسياسة، خصوصاً أن التوجهات السياسية تتباين بين أهالي المشرفة. وتختم بالإشارة إلى أن "أهالي البلدة يثقون بأعضاء النادي، وهو ما يتجلى من خلال انفتاحهم على جمع المعلومات عنهم خلال بعض الأنشطة". 

 

مبادرة "بيت الخير": تضامن شبابي لمواجهة أزمة الأدوية 

 

قد تكون أزمة انقطاع الأدوية الأبرز منذ بدء الأزمة اللبنانية. عاش المرضى فترة عصيبة امتدت لأشهر، ووصل الأمر بالبعض حد الموت نتيجة غياب الأدوية وتقاعس الجهات الرسمية عن إيجاد الحلول. تضاعف واقع الأزمة في المناطق الهشة، والتي تفتقر أصلاً للحد الأدنى من الخدمات الصحية والطبية. 

 

من بين هذه المناطق، بلدة أغميد في قضاء عاليه (تبعد حوالى 36 كلم عن بيروت)، والتي تغيب عنها الصيدليات والمستوصفات.. وحتى الأطباء والعاملين في القطاع الصحي. عاش أهالي البلدة "على أعصابهم" خلال أزمة انقطاع الأدوية، ولم تكفِ المساعدات الحزبية نظراً للحاجة الكبيرة لمختلف أنواع الأدوية للأمراض المزمنة والمستعصية.

 

من هنا، انطلقت مبادرة "بيت الخير" عام 2020 من قبل شبان وشابات البلدة الذين لم يجدوا إلا بتضامنهم حلاً للأزمة. في البداية، عمل القائمون على تعبئة الاستمارات لتحديد الأدوية اللازمة والأفراد الأكثر حاجة لها. وتم التواصل مع البلدية التي سهّلت عملهم، من خلال تسخير قدراتها المحدودة لتأمين الأدوية الأساسية للأهالي. 

 

لم تكتفِ المبادرة بتأمين الأدوية خلال فترة إنقطاعها، بل عملت على توزيع الهدايا على الأطفال خلال فترات الأعياد. كما نظمت نشاطاً ترفيهياً لهم، ويوماً لنساء البلدة بمناسبة عيد الأم. 

 

تتحدث سارة بو غادر(29 سنة)، وهي عضو فاعل في المبادرة، عن الإقبال الكبير الذي لاقته المبادرة في البداية من المغتربين ومن أسمتهم "الأيادي البيضاء". لكن اليوم، ومع تحليق أسعار الأدوية نتيجة رفع الدعم عنها، خفّت الحماسة للمساعدة لعوامل عديدة أبرزها طول مدة الأزمة. لذلك، وبحسب سارة، انخفض عدد المستفيدين من المبادرة بعدما تعدى الـ40 فرداً في البداية. 

 

وتشير سارة إلى أن "أعضاء المبادرة يعملون على توزيع الإعلانات اليوم، علّها تساعد في تأمين بعض التمويل اللازم لتغطية الأدوية الأساسية التي يحتاجها الأهالي". كما نظمت المبادرة بعض الأنشطة، التي يهدفون من خلالها إلى تمويل صندوق "بيت الخير" كبيع الثياب والروزنامة السنوية خلال عيد رأس السنة. 

 

استقلالية السيدات كهدف لمبادرة في الشوف 

 

"لم نحدد أي اسم لمبادرتنا ولم ننشر أي صور للمساعدات على مواقع التواصل، بعدما وجدنا أنّ لا حلاً أمامنا سوى بمساعدة أهالينا في منطقة بقعاتا والجوار"، تقول ريما ذبيان(50 سنة)، وهي ناشطة اجتماعية. أسست ريما، مع عدد من الأصدقاء والأقارب، مبادرة لدعم نساء في قضاء الشوف في العام 2022. أكثر ما يميز المبادرة هو مساعدة النساء في أعمالهن بدل الإكتفاء بالتقديمات المالية.

 

تقوم المبادرة بشكل أساسي على تحويلات المغتربين، وهي تستهدف النساء العاملات في المونة كصناعة دبس الرمان وماء الورد وغيرها، من خلال تأمين المواد الأولية لهن. بحسب ريما، "لم تتمكن العديد من النساء من تأمين المواد الأولية بسبب الغلاء، وهو ما دفعنا لدعمهن كي لا يخسرن مصدر الدخل الذي يعتاشون منه". 

 

تستفيد حوالى الـ35 سيدة من المبادرة، ويتأكد القائمون عليها من غياب أي مصدر دخل للسيدات أو أي نوع من التقديمات الأخرى. وتشير ريما إلى أن السيدات يشعرن بالاستقلالية نتيجة عملهن، وهو ما كانوا ليفتقدونه لو اكتفوا بالتقديمات المالية. 

 

إلى جانب ذلك، عملت المبادرة على تأمين حصص غذائية تتضمن المواد الأساسية كالخضار والفواكه واللحوم والحبوب للسيدات اللواتي يعانين من أوضاع صحية صعبة ولا معيل لهنّ. خلال عيد الأضحى الماضي، ساعد القائمون على المبادرة السيدات العاملات في صناعة الحلوى من خلال تأمين المواد الأولية وشراء الحلويات منهن. 

لن تعوّض هذه المبادرات غياب الدولة، ولن تنقذ اللبنانيين من مخلّفات الكارثة الاقتصادية التي طالت، ومن المتوقع أنها ستطول أكثر. إلا أنها، ورغم محدودية معظمها، قادرة على خلق تضامن على قاعدة "المصيبة بتجمع". تكثر المبادرات مع تفاقم الأزمة، حتى بات لكل كارثة مبادرة تقلل تأثيراتها… عدا عن المبادرات القائمة على السرية التامة، والتي تكتفي بمساعدة الأفراد الأكثر هشاشة "على السكت". 

A+
A-
share
أنظر أيضا
17 حزيران 2024 بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024
بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024 بقلم ايليو مبيض، صحافي
17 حزيران 2024
بقلم ايليو مبيض، صحافي
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد