السلطة وتنظيم المجال العام: عن التضييق على مستخدميه وأدوات إخفاء مهمّشيه - استوديو أشغال عامة

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 18 تشرين الثاني 22 8 دقائق للقراءة
السلطة وتنظيم المجال العام: عن التضييق على مستخدميه وأدوات إخفاء مهمّشيه - استوديو أشغال عامة
في ظل الشكل النيوليبرالي للرأسمالية، تتشكّل المساحة العامة نتيجة الأيديولوجيات المتناحرة لجهة تحديد ما يكوّن تلك المساحة ومَن هم العامّة.
في حال غياب القمع أو آليات الإرغام على يد مؤسسات السلطة، يختبر السكانُ المدينةَ من خلال التفاعل الحرّ، بحيث تكون المساحات العامة غير مقيّدة، تحتضن ممارساتٍ اجتماعيةً ثقافية، هي أساسية في تشكيل وظيفة تلك المساحات.

تدير السلطاتُ في لبنان المساحاتِ العامة بناءً على هواجس ودوافع أمنيةٍ بدلاً من تفاعلات السكان، وتجعل استخدامها متاحاً فقط لجمهورٍ عامٍ "مهذّبٍ" وحسَن السلوك. باسم النظام والأمان، غالباً ما تُطرد من المساحة العامة الاقتصادات غير الرسمية، والممارسات العُرفية، والاستخدامات الثقافية، والأفراد المشرّدون والجماعات المهمّشة. وباسم النظافة والأخلاق والصحة العامة، تُقفَل المساحات العامة ويُمنع من ارتيادها من هن\م في أمسّ الحاجة لها. 

سنناقش من خلال هذا النص نقداً لممارسات السلطة وأدواتها، في جعل المجال العام عقيماً، غير جامع، بالكاد مُستخدم. كما نوثّق الطريقة التي تحوّل الدولة من خلالها الأملاك العامة العمومية التي تشكّل المجال العام غير القابل للتصرف، إلى ملكية عامة خصوصية (من بينها الأرصفة)، ممّا يجرّد العام أكثر فأكثر من المساحات والمرافق والخدمات.

 

تُقارب السلطات المساحات العامة في المدن كفضاءات فارغة، ثابتة لا يجب تتغيّر مع حاجات الناس ولا أن تتأقلم معها. فتبلغنا، بين الفينة والفينة، بإنجازات في مجال إزالة التعدّيات على الأرصفة من جهة، وطرد المتسوّلين وناكشي النفايات، كجزء من عملية "تنظيف المدينة" ممّا يجعل الطرق والأرصفة فارغة منها، دون أن يحلّ ذلك مشكلة المتسوّلين وناكشي النفايات كجماعات تعيش على الهامش دون حقوق، ولا التعديات كتنبيه لحاجات الناس المكانية. 

فبعد اجتماع مع محافظ بيروت ورئيس بلديتها، زفّ إلينا النائب أحد النواب طرح ورقة مطالبة طويلة مع اختصاصيين في العمل البلدي، تتعلّق بتنظيم المساحة العامة في بيروت، ومن بينها التخلّص من "المتسولين ونكّاشين النفايات اللي عم يعملوا حالات بالبلد فيها من الخطورة والفوضى الكتير". وهذا الانزعاج من المتسولين والنكّاشين والتعديات، يأتي من مقاربة تقنية ترى المدينة ومساحاتها العامة كفضاءات إقصائية إلّا لمن يمتلك امتيازات. كما تعبّر مبادرات التخلّص من فقراء المدن، عن محاولاتها التخلص من الفقراء لا من الفقر. 

ففي عز تفاقم الأزمة الاقتصادية وازدياد معدلات الفقر وتوسّع رقعته، مع ما يترافق ذلك من مظاهر التشرّد أو التسوّل في الطرقات أو البحث عن مصادر دخل بديلة كظاهرة نبش النفايات، تُطالعنا بلدية بيروت كما يفيد بيان دائرة العلاقات العامة الصادر في 16-12-2021 ب "حملة لفوج حرس بيروت على المتسولين ونابشي النفايات في شارع الحمراء".

ويشير البيان إلى شروع  قوّة من فوج حرس المدينة بطرد المتسولات\ين اللواتي والذين يفترشون الأرصفة والطرقات في شارع الحمراء بحجة أنهم يتعرّضون للمارة. كما يفيد البيان عن ملاحقة عدد من "نابشي" النفايات وتوقيفهن\م ومصادرة عرباتهن\م تحت ذريعة أنهن\م يقومون برمي محتويات النفايات التي ينبشونها على الطرقات، ممّا يسبّب تكاثر الحشرات والقوارض وانبعاث الروائح الكريهة. ويبشّر البيان سكان مدينة بيروت أنّ هذه الإجراءات ستتابع بشكل متكرّر في الشوارع الرئيسيّة وعلى التقاطعات وفي الأسواق التجارية في المدينة. 

تعيش بلدية بيروت -كما الدولة- حالةً من الإنفصال عن الواقع. ففي حين تتنامى معدلات الفقر، ويضرب العوز أغلب العائلات والأفراد، تغيب سياسات الدولة للتعامل مع نتائج الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وتأثيرها على المجتمع، وتبادر البلدية بإجراءات أقلّ ما يقال عنها أنّها سحق إضافيّ للفئات الأكثر ضعفاً في هذا المجتمع. تقع مسؤوليّة مكافحة الفقر على عاتق الدولة التي لا تنكفئ تتملّص من مسؤولياتها. فبدلاً من طرد متسولات\ين ومشرّدات\ين، على الدولة وضع سياسات دعم إجتماعي عادلة وتأمين سكن بديل؛ وبدل القبض على "نابشي" النفايات كان من الأجدى خلق فرص عمل في مجال فرز النفايات ومعالجتها- وهي عملية تغيب أيضاً عن ذهن المسؤولين. فالرائحة الكريهة في المدينة تعود إلى تجمّع النفايات في الطرقات في ظلّ غياب خطة لمعالجة أزمة النفايات. وقد نجحت السلطة في تحويل النفايات من ثروة يمكن أن تخلق قطاعاً منتجاً إلى نقمة تجعل سكان المدينة تحت رحمة الشركات الخاصّة التي تجمع النفايات عبر مناقصات مشبوهة ومن دون أي متابعة أو محاسبة. 

لا فخر للبلدية فيما تفعله، ولا خير يأتي من التعامل مع أشخاص وقاصرات\ين فقدن\وا أدنى حقوقهن\م، على أنهن\م مجرمين. وفيما تحاول البلدية "تنظيف" الشوارع والأرصفة ممّن لا يملكن/يملكون شيئاً، تتصرّف وكأنّها تنفّذ سياساتٍ مدينية قادرة على تحسين واقع المساحات العامة ونوعية الحياة في المدينة. أمّا في الحقيقة، فالدولة (لا البلدية فقط) لا تتراجع عن مسؤولياتها بتأمين الأساسيات للناس خلال أسوأ انهيار اقتصادي يضرب لبنان فقط، بل تتحوّل أيضاً إلى ديكتاتور صغير يضرب كلّما أتيح له، الأضعف.

إن قرارات البلدية بإزالة ما يُسمى التعديات على المساحات العامة ما هو إلا خطوة أخرى في مسار "فلتَرة" التنوع الاجتماعي في المدينة وتقليصه. وتأتي الحملة في سياقٍ أوسع، تشجّع فيه السلطاتُ مشاريعَ التطوير العقاري على التعدّي على المساحات العامة، في وقتٍ لا تزال فيه الحدائق العامة مغلقةً على نحوٍ غير قانوني بقرارٍ من بلدية بيروت.

كما تؤدّي الطريقة التي تُقارب بها الدولة المجال العام على مستوى الشوارع والمساحات العامة، إلى تدمير للشوارع والأرصفة، فيما تخلق تأثيراً سلبياً على أهل الحي المستهدف. ممّا أنتج موجات هجر للمجال العام وبالتالي إقصاء الناس منه، خاصة أولئك اللواتي والذين يحتاجونه بشكل أكبر، من نساء ومسنات\ين ولاجئات\ين ومفقّرات\ين.

فحتى اليوم، وبعد إزالة كل إجراءات الحماية من الجائحة، ما زالت الحدائق العامة في بيروت والمناطق مقفلة بحجة الجائحة. وفي مقابل الإغلاق التام للحدائق العامة في بيروت، وحالة هذه الأخيرة المتردية منذ ما قبل الجائحة حتى، يبدو مفاجئاً أن تصرف بلدية بيروت مبالغ عالية من المفترض أن تكون قد استخدِمَت لصيانة هذه الحدائق والعناية بها. تُظهر قرارات البلدية موافقتها، بين عامي 2020 و2021، على إعطاء 11 سلفة مالية بقيمة 280 مليون ليرة لبنانية، معظمها "لزوم ريّ الحدائق والوسطيات ونكشها وتعشيبها" وقد توزعت هذه السلف أحيانا بشكل عام على مدينة بيروت وأحيانا على أماكن متخصصة كرأس بيروت، عين المريسة، المصيطبة، الباشورة، زقاق البلاط، الأشرفية، المدور، الرميل، الصيفي، المزرعة وساقية الجنزير. لا ندري علام صُرِفَت هذه المبالغ في الحقيقة، وسبب صرفها في مرحلة في ظل الأقفال التام للحدائق وغياب الصيانة عنها. 

 وبينما تفتح المقاهي والمطاعم والبارات أبوابها للمستهلكات\ين -في تهديد أكبر للصحة العامة وعدم احترام للتباعد الاجتماعي، وفي غرف مقفلة أو غير ذات تهوئة كافية- تصوّر الدولة الحدائق العامة، -الأمكنة الأكثر أماناً في ظل الجائحة- على أنّها غير آمنة. يبدو واضحاً استهتار السلطة بصحة الناس، وسعيها لحرمان من هن\م الأقل قدرةً على الاستهلاك في مقهى أو مطعم أو بار، من حقهن في مساحات عامة ولحظات استجمام في مدينة مكتظة. 

بالإضافة إلى الغياب شبه التام للصيانة والإدارة، وإغلاق الحدائق العامة،  فإن بيروت والمناطق تعاني من نقص في المساحات العامة وانسحاب البلديات من مسؤوليتها في تحويل أراضيها إلى حدائق أو استملاك أراض لهذا الهدف، في وقت تظهر الحاجة قيمة هذا النوع من المساحات، إن كان نتيجة الجائحة، أو الانهيار الاقتصادي وحاجة الناس للمساحات العامة المفتوحة منها خاصة، للترفيه والتلاقي.

هذا وقد تقدّم استديو أشغال بالتعاون مع عدد كبير من المجموعات بعريضة لبلدية بيروت ورئاسة الوزراء في شهر -- مطالبين بفتح الحدائق العامة. وقد جاء الرد على العريضة من مصلحة أمانة المجلس البلدي بشكل إحالة الطلب إلى اللجنة القانونية التي أقّرت حفظ الطلب -أي نسيانه، ومن مصلحة الشؤون الإدارية بشكل تبليغ شفهي من السيد سامر يعقوب الذي أخبرنا أن الحدائق مقفلة بقرار من لجنة الجائحة وبعضها مقفل بسبب الترميم، وأخيراً دون ردّ من رئاسة الحكومة حتى الآن.  

وأخيراً، تعمل السلطة اليوم باختلاف مكوّناتها وبشكل دؤوب، على اقتراح مشاريع التخلي عن أملاك الدولة العمومية عبر إسقاطها. إنّ أملاك الدولة العمومية هي جميع الأشياء المعدّة، بسبب طبيعتها، لاستعمال مصلحة عمومية. وهي لا تُباع ولا تُكتسب ملكيتها بمرور الزمن، ولا تُسجّل في سجل الملكية، ولا تُعطى لها أرقام عقارات. 

تَضمُّ هذه الأملاك مجاري الأنهار وضفافها والمجاري الشتوية، شواطئ البحار والشلالات والبحيرات، قنوات الري والتجفيف، والطرقات والممرات والأرصفة العامة وغيرها. بناءً على ذلك، تُعتبر هذه الأملاك محمية، باعتبار أن الدولة لا تستطيع التصرّف بها أو بيعها.

في هذا السياق، ابتكرت السلطة مخارج مقوننة تسمح لها بالتخلّي عن أملاك الدولة العمومية، وذلك من خلال إصدار مراسيم – تُسمّى «مراسيم الإسقاط» – تُسقَط من خلالها صفة المنفعة العمومية عن هذه الأملاك ويُشرّع التصرّف بها. 

وقد قمنا بتعداد مراسيم الإسقاط منذ العام ١٩٢٢ لغاية تاريخه[1] وتحليلها من ناحية المضمون والوتيرة والتوّزع الجغرافي. 

بدا واضحاً أنّ إسقاط أملاك الدولة العمومية بهدف إزالة القيود أمام السلطات العامة للتصرّف بهذه الأملاك وخصخصتها، ليس سوى تجسيداً لكيفية تعامل السلطات مع أملاكها، ونظرتها إلى كلّ ما هو عام، ومفاضلة المصلحة الخاصة بدلاً من تحقيق المنفعة العامة، وتكريس مفهومها للأرض كسلعة وضمانة تُستخدَم لتأمين الربح المالي أو السياسي عبر توزيعها كجزء من المنافع والشبكة الزبائنية. 

 

قد يُبرَر طلب الإسقاط في بعض الحالات وضمن الأسباب الموجبة للمرسوم، بتحقيق المصلحة العامة، إذ من الممكن أن تطلب جهة رسمية إسقاط أملاك عامة بهدف بناء مرفق عام عليها كمدرسة رسمية على سبيل المثال، فتنتقل ملكيتها إلى الوزارة المعنية وبهذه الحال وزارة التربية والتعليم، وتصبح من أملاك الدولة الخصوصية. غير أنّ حصة الجهات الخاصة (فرد، شركة، وقف، نقابة، جمعية...)، والتي غالباً ما تكون من مالكي العقارات المجاورة، من الاستفادة من هذه المراسيم كانت الأكبر (٨٣%). قد يحدث الإسقاط نتيجة تحوير طريق أو مجرى أو قناة، حيث تسقط المنفعة العمومية عن القسم القديم بسبب استبداله بتحويرة جديدة أو مقابل تنازل عن أملاك خاصة لصالح الأملاك العمومية (٢٦% من هذه المراسيم). لكنّ غالباً ما تحمل هذه المراسيم خبايا، إذا دخلنا إلى تفاصيلها نجدها مرتبطةً بطريقةٍ أو بأخرى بنوعٍ من الزبائنية، عبر تقديم أقسام من الأملاك العمومية على طبقٍ للمقتدرين وأصحاب النفوذ، للمقربين من الجهات السياسية أو لشراء الولاءات السياسية. 

 

في محاولات السلطة تنقية المجال العام وفلترته، يتحوّل الحق بالحركة إلى سلعة، إذ تُمنع الجماعات والأفراد من التنقّل عبر تضييق إمكانية استخدام الشوارع والمساحات بشكل جامع ومتاح للجميع، ممّا يمنع بالتالي من تغييرها بما يتناسب وحاجاتهنّ. 

يتوجّه تنظيم المجال العام وإدارته، كأحد مسؤوليات مؤسسات الدولة، بالأساس إلى مصلحة السواد الأعظم من الناس، والحفاظ على المجال العام واستخدامه ضروري بضرورة الحفاظ على الدولة ذاتها. لذا، فإن أي أداة تُستسخدم لخصخصة المجال العام، أو تضييق استخداماته أو تنوّع مستخدميه، وإقصاء الناس منه، هي أداة غير شرعية، مهما استخدمت لتبرير استخدامها مفاهيم النظام والأمن والصحة العامة.



[1] استناداً إلى موقع الجريدة الرسمية الالكتروني الذي يحتوي على جميع أعداد الجريدةفي بحثنا، تمّ استخدام كلمة "إسقاطفي خانة العنوان للبحث عن المراسيم التي تمّ من خلالها إسقاطأملاك الدولة العمومية لصالح أملاك الدولة الخصوصيةمن هنا، هناك إمكانية وجود معلومات منقوصة، في حال وجود بعض المراسيم الغير موّثقة.

A+
A-
share
أنظر أيضا
17 حزيران 2024 بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024
بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024 بقلم ايليو مبيض، صحافي
17 حزيران 2024
بقلم ايليو مبيض، صحافي
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد