التغيير أمر حتمي: الطريق المؤدي إلى الحكومة الرقميّة في لبنان

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 19 تموز 22 بقلم غيدا طيّارة، منسّقة أولى للأنشطة الرقمية والموقع الإلكتروني في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت 6 دقائق للقراءة
التغيير أمر حتمي: الطريق المؤدي إلى الحكومة الرقميّة في لبنان
عدرا قنديل
في العام 2022، يُعتبر الحصول على ما بين صفر ساعة إلى ساعتين من الكهرباء يومياً أمراً عادياً في لبنان، ودفن أطنان من النفايات تحت الأرض هو المعمول به تلقائياً، فيما الميليشيات المسلحة تتباهى في التجوّل بأسلحتها بحرّية.

تضاف إلى ذلك أزمة المصارف والإنهيار الإقتصادي، وعدم إستقرار الوضع الأمني، وعدم إمكانيّة التنبؤ بما سيحصل على الساحة السياسية. كل ما سبق ذكره، يؤدي إلى بلد نوعية الحياة فيه بائسة. في الحقيقة، يحتل لبنان المرتبة 145 من بين 146 دولة في تقرير السعادة العالمي (هيليويل وآخرون، 2022).

 

أدّت السياسات غير الناجحة للحكومة اللبنانية إلى الكارثة الحالية. وعوضاً عن تخصيص الأموال لوضع خطة مستدامة لإنتاج الطاقة الكهربائية تعتمد على الطاقة الشمسيّة، تنشغل الحكومة بشراء ما يكفي من الوقود لتوفير بضع ساعات من هذه الطاقة. وعوضاً عن الإستثمار في مصانع لإعادة التدوير الطويل الأمد، فضّلت الحكومة طمر النفايات وزيادة مستويات السمّية في المناطق المجاورة.

 

هناك سبب مقنع ليقول لمَن شهدوا الحرب الأهلية في لبنان في سبعينيات القرن الماضي، أنّ الظروف المعيشية في البلاد خلال عام 2020 أسوأ بكثير مما كانت عليه في ذلك الوقت، لأن ما يقبله الناس خلال الحرب يختلف عما يتطلعون إليه خلال "السلام"، ولأنه بعد مرور 50 عاماً، يتطلع الناس إلى التنمية. التغيير أمر حتمي، لكن في لبنان تعمّد الحكام إبقاء الشعب عالقاً في الماضي. ليس هذا فحسب، ولكن الحكام نفسهم تمكنوا أيضاً من جعل المستقبل أسوأ، إلى جانب التهديد بانعدام الأمن الغذائي (برنامج الغذاء العالمي، 2022)، وزيادة الفقر (اليونيسف، 2022) وأزمة الرعاية الصحية للأطفال (شهيب 2021).

 

وعلى غرار ذلك، أصيبت الإدارة العامة بالجمود مع الوقت، مما أثّر على السياسات العامة وعمليات صنع القرار. يمكن أن يبدأ تحديث الإدارة العامة بالرقمنة، مما قد يؤدي بدوره إلى الحد من الفساد، وزيادة الشفافيّة، وتعزيز اللامركزيّة، والحد من البيروقراطيّة، واستعادة ثقة الجمهور في الحكومة.

 

يمثل الفساد في الواقع إحدى المشاكل الرئيسيّة التي تواجه المؤسسات والإدارات العامة في لبنان اليوم. وفي حين أنّ الفساد مشكلة معقدة تترافق مع مجموعة متنوّعة من الأسباب الكامنة وراءه، فإنّ استحداث الإجراءات الرقميّة والبرمجيّات في الإدارة العامة، هو خطوة أولى ضروريّة. في الحقيقة، قد يؤدي الحدّ من التواصل الشخصي بين المواطنين والموظفين الحكوميين إلى القضاء على أبسط أشكال الفساد، أي الرشوة.

 

ولكن أبعد من ذلك، يمكن أن يؤدي إعتماد البرمجيّات القائمة على الأمن في الدوائر الحكومية إلى زيادة الشفافيّة، والتقليل من فرص اختلاس الأموال. وتتمثل طريقة واحدة للقيام بذلك في تقنية الكتل المتسلسلة التي يمكنها تأمين البيانات وخفض التكاليف، وبالطبع الحدّ من إحتمالات التجاوزات والفساد. لكن هذه التقنية تسمح بتقاسم الموارد عبر دفتر حسابات موزّع ومحميّ عن طريق استخدام التشفير.

 

يمكن لرقمنة الخدمات الحكومية من خلال إتاحتها للمواطنين على الإنترنت أن تشجّع اللامركزيّة. نتيجة لذلك، يقل احتمال تدفق المواطنين إلى العاصمة، وبالتالي يساعد في تخفيف الإزدحام في مدينة بيروت. كما يمكن أن يؤدي توفّر خدمات الإدارة العامة على الإنترنت إلى توفير وقت المواطنين ومالهم وتسهيل حياتهم. تشكل اللامركزيّة أحد الجوانب الرئيسيّة للتنمية، لأنها يمكن أن تسهّل الاستثمارات التجاريّة وتُحفّز النمو الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لعملية رقمنة هذه الخدمات أن تُظهر الخطوات الزائدة عن الحاجة وتبسّط الخدمات، وبالتالي تحدّ من البيروقراطيّة وتزيد من فعاليّة هذه العمليّة.

 

لدى الحديث عن التحوّل الرقمي على المستوى الحكومي، من الأهمية بمكان مناقشة رأس المال البشري اللازم لمثل هذا التحوّل. لسوء الحظ، أدت سلسلة الأحداث المؤسفة التي وقعت منذ عام 2019 إلى موجة هجرة جديدة. ومع وجود ظاهرة "هجرة الأدمغة" بقوّة، يتصدّر الشباب الفئات المجتمعيّة الساعية إلى الهجرة. الكسب المادي ليس الدافع الوحيد للمغادرة، إذ أنّ سعي اللبنانيين إلى الهجرة مدفوع بتأمين مستقبل أفضل مع المزيد من الفرص، وضمان الأمن، والحياة الكريمة.

يُعتبر توفير فرص عمل جذابة للشباب عاملاً رئيسياً في وضع حد لموجة الهجرة هذه. بالنظر إلى أنّ الأجيال الشابة هي بطبيعة الحال أكثر توجهاً نحو الرقمنة، يجب أن تنظر الحكومة اللبنانية إليهم كثروة، وتستخدام رأس المال البشري هذا لتطبيق التحوّل الرقمي. وتعمل الحكومة عن طريق ذلك على تطوير الإدارة العامة، إلى جانب الاحتفاظ بالقوى العاملة الماهرة في البلاد. يجب أن تترافق هذه المبادرة الحكومية أيضاً مع استحداث مناهج دراسيّة ذات صلة بالمنهج الوطني في المدارس. وفي وقت لاحق، ستقوم الدولة بإعداد جيل الشباب لدخول سوق العمل، مزوّدين بمجموعة أساسيّة من المهارات.

 

في إطار الجهود الرامية إلى استحداث الرقمنة في الإدارة العامة، أطلق التفتيش المركزي في لبنان منصة IMPACT، أي 

المنصة المشتركة بين الوزارات والبلديات للتقييم والتنسيق والمتابعة في آذار- نيسان 2020. IMPACT هي أول منصة للحوكمة الإلكترونيّة في لبنان التي تلبّي حاجات المواطنين والموظفين الحكوميين والمنظمات غير الحكوميّة.

 

تمّ إنشاء منصة IMPACT في الأصل لجمع البيانات لأغراض مراجعة الحسابات، لكن آثار جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) أرغمت المنصة على توسيع نطاق دورها، لتشمل إدارة الأزمات للهيئات الحكوميّة والصليب الأحمر اللبناني. أبدت المنصة مرونة واستجابة لحاجات الحكومة في خضم الجائحة، ووفرت IMPACTالمنصة اللازمة لإدارة تصاريح تنقل المواطنين خلال فترة الإغلاق الذي طاول جميع أنحاء البلاد. بالإضافة إلى ذلك، استُخدمت المنصة لإدارة الجهود المبذولة لتوزيع لقاح كوفيد-19.

 

يشكل تجميع البيانات وتخزينها بشكل فعّال عنصراً أساسياً في رقمنة الحكومة. كما توفر منصة IMPACT مصدراً للبيانات المفتوحة ليس لموظفين القطاع العام فقط، ولكن أيضاً للمواطنين والباحثين ووسائل الإعلام. وهذا يمكّن المواطنين من مساءلة حكومتهم في شأن السياسات التي تعتمدها. كما أن الإطلاع على البيانات يعزّز الشفافيّة ويوطد ثقة المواطنين في الحكومة. وعلى غرار ذلك، تقدم المنصة بيانات مصمّمة خصيصاً للموظفين الحكوميين وصانعي القرار، مما يسمح لهم باتخاذ القرارات على أساس الحاجات بدلاً من التخمينات العشوائيّة. تجمع هذه المنصة الرقميّة الحكوميّة بين أدوار متعددة، مثل مصدر البيانات المفتوحة وأداة لإدارة الأزمات وأرشيف رقمي.

 

عند إنشاء منصات حكوميّة رقميّة، لا يقل تصميم واجهة المستخدم أهمية عن تصميم الهياكل الخلفيّة. يساعد المظهر الحديث والمنظم المستخدم على تصفّح المنصة بسهولة. بالإضافة إلى ذلك، لا يكتمل التحوّل الرقمي من دون الحضور في وسائل التواصل الاجتماعي. في الحقيقة، تستخدم منصة IMPACT قنوات وسائل التواصل الاجتماعي للرد على استفسارات المواطنين على الإنترنت. هذا جانب مهم من عملية الرقمنة، لأنه يجعل المواطنين يشعرون بأنهم مسموعون.

 

يُظهر نجاح منصة مثل IMPACT فعاليّة التعاون بين القطاعين العام والخاص. المنصة مملوكة للتفتيش المركزي، لكن تتولى شركة خاصة إدارة الجانب التكنولوجي. بالنظر إلى أنّ القطاع الخاص لديه إمكانيّة الوصول إلى موارد تكنولوجيّة أفضل مقارنة بالقطاع العام، يمكن لهذا الأخير أن يستفيد على نطاق واسع من التعاون مع القطاع الخاص.

 

عند الحديث عن التحوّل إلى الحكومة الرقميّة، يجب إتخاذ بعض الإجراءات الحازمة لتجنّب مخاطر إنتهاك خصوصيّة المواطنين. كما ينبغي عدم إساءة إستخدام المنصّات الحكوميّة على الإنترنت من خلال مراقبة المواطنين أو تتبّع تحركاتهم.

 

 

في حين  تشكل منصةIMPACT  بداية جيدة لمنصة حكوميّة  رقميّة، يمكن بذل المزيد من الجهود لتوسيع نطاق أدوارها المتعددة. كما يمكن استحداث المنصة في الهيئات الحكومية الأخرى لتعزيز جهود التنمية والمساعدة في إصلاح الإدارة العامة.

 

 سوف  يعود التقدم نحو تحقيق حكومة رقميّة بالفوائد على الجهود المبذولة في مجال تحقيق اللامركزية، وخلق فرص للعمل، والشفافية الفعليّة. في نهاية المطاف، قد تكون المنصات الحكومية الرقميّة بمثابة أدوات قوية لمكافحة الفساد. وبالتالي، من المتوقع أن يتصدّى لها الأشخاص الأكثر إستفادة من غياب الشفافيّة في القطاع العام، تماماً مثلما جرى التصدي للإصلاحات في قطاع الكهرباء، ورُفضت الحلول الصديقة للبيئة لأزمة النفايات.

 

لقد طالب عشرات الآلاف من اللبنانيين الذين تظاهروا في الشوارع في تشرين الأول/أكتوبر 2019 بالتغيير الذي من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى قيام دولة أكثر تقدماً. وفي حين بدأ التغيير في العقلية، يتوقف الأمر على جيل الشباب في الحفاظ على هذا الزخم حيّاً والعمل على نشر هذه الثقافة. وإذ ظهر التحوّل بوضوح في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، حان الوقت الآن للبدء في البناء على هذا التغيير من خلال المطالبة بتنفيذ سياسات تركز على التنمية والشفافيّة.

 

سواء ظهر هذا التغيير بوضوح في صناديق الاقتراع أم لا، سيعتمد  السبيل إلى لبنان  متطورعلى الجيل المقبل.

ولكننا، فيما نفترض اليوم كيف سيبدو العالم بعد 20 أو 30 عاماً من الآن، هل يمكننا أن نتخيّل حكومة حديثة تحكم لبنان  المتطور؟ لبنان الذي يُفترض أنه استحدث المترو في المدن المزدحمة على سبيل المثال. أم يجب أن نبقي توقعاتنا متواضعة ونأمل أن ينتج لبنان 24 ساعة من الطاقة الكهربائيّة على الأقل في اليوم؟

A+
A-
share
أنظر أيضا
18 تشرين الثاني 2022 بقلم كارين عساف، باحثة دكتوراه في جامعة لوفين بلجيكا
18 تشرين الثاني 2022
بقلم كارين عساف، باحثة دكتوراه في جامعة لوفين بلجيكا
18 تشرين الثاني 2022 بقلم شادي فرج، المؤسس المشارك لـ Riders 'Rights حقوق الركاب
18 تشرين الثاني 2022
بقلم شادي فرج، المؤسس المشارك لـ Riders 'Rights حقوق الركاب
أحدث فيديو
نظرة على قطاع النقل العام في لبنان مع ميريلا بو خليل
SalamWaKalam
نظرة على قطاع النقل العام في لبنان مع ميريلا بو خليل
SalamWaKalam

نظرة على قطاع النقل العام في لبنان مع ميريلا بو خليل

تشرين الثاني 23, 2022 بقلم ميريلَا بو خليل، --
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
23 تشرين الثاني 2022 بقلم ميريلَا بو خليل، --
23 تشرين الثاني 2022
بقلم ميريلَا بو خليل، --
23 تشرين الثاني 2022 بقلم ميشال داوود، --
23 تشرين الثاني 2022
بقلم ميشال داوود، --
23 تشرين الثاني 2022 بقلم حليمة طبيعة، --
23 تشرين الثاني 2022
بقلم حليمة طبيعة، --
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد