التاريخ وبناء العقد الاجتماعي الجديد

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 11 تموز 22 بقلم امين الياس، رئيس الهيئة اللبنانيَّة للتاريخ 7 دقائق للقراءة
التاريخ وبناء العقد الاجتماعي الجديد
عدرا قنديل
لا أزال أذكر، وأنا طالب دكتوراه في فرنسا، كم كانت تترّدد العبارة التالية: "إن المدرسة هي خطّ الدفاع الأول عن الجمهورية وقيمها". عبارة نُقشت في ذهني، ولا تزال مُذذاك تأخذ أبعادًا مختلفة عند كلّ تجربة تربويَّة أمرُّ بها.

إنَّ بناء المجتمعات ذات القدرة على العيش معًا وتأمين الازدهار والسلام المستدام، ليس بالأمر اليسير. فهو جهد يتمّ وفق مسارَين يكون الأوّل من فوق إلى تحت (من الأعلى إلى الأسفل) ويكون ذلك من خلال البنية الدستوريَّة والقانونيَّة للمجتمع وللدولة ومؤسساتها، ويكون الثاني من تحت إلى فوق (من الأسفل إلى الأعلى) ويكون ذلك من خلال البنية التربويَّة بما يستتبعها من بنية فكريَّة وثقافيَّة تلعب فيها المدرسة (بشقيها الرسمي والخاص) والجامعة (أيضًا بشقيها الدولتي والخاص) والمناهج ومراكز الأبحاث دورًا دورًا مركزيًّا في التخطيط لإنسان اليوم وإنسان الغد. هذا الإنسان الذي يشكّل، من ناحية، غاية الدولة، ومن ناحية ثانية، المورد الأوّلي (بما يمثّله من مورد بشري) لبناء المجتمع والدولة واقتصادها ومستقبلها.

         وهذا يفسّر تمامًا انكباب فلاسفة التنوير في أوروبا الذين، وإلى جانب قيامهم بنقد النظام الفكري القديم لأوروبا، واستيلاد نظام فكري آخر بكلّ مندرجاته الفلسفيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، اهتمّوا بالجانب التربوي وكيفيَّة بناء الإنسان الذي بات هو غاية محور العمليَّة البنائيَّة المجتمعيَّة والدولتيَّة. ويُعتبر كتاب جان-جاك روسو "إيميل أو في التربية Emile ou de l’éducationأحد أبرز التعبيرات عن أولويَّة المسألة التربويَّة في بناء المجتمعات والدول. فلا إمكانيَّة لبناء عقد اجتماعي ما بين أفراد-مواطنين أحرار، يقوم على قيم الحريَّة والديمقراطيَّة والمساواة وفصل السلطات وجعل الإنسان الفرد أو الإنسان-الشخص غاية وقيمة في حدّ ذاته، إنْ لم يتم تهيئة هذا الإنسان-الفرد-الشخص ليكون قادرًا على بلورة هذا العقد الاجتماعي وإدارته بما ينسجم مع الخير العام لكلّ المواطنين الأحرار المتساوين. 

         إنَّ لبنان بما يمثّله من نموذج اجتماعي-سياسي ينطلق في بناء دولته من عقد اجتماعي (ولو أنّه تشوب هذا العقد العديد من العيوب البنيويَّة) لا يختلف عن أي نموذج آخر في أي منطقة من العالم. 

         إنطلاقًا من هذه المقدّمة يمكننا مقاربة مسألة تعليم مادتي التربية المدنيَّة (وقد يُضاف إليها أيضًا مادة التربية المواطنيَّة) والتاريخ، مع تشديدي على فكرة أنَّ هذه المواد إنّما تفترق وتلتقي وفق الرؤية التي يضعها المخطّط التربوي في لبنان لبناء الإنسان المرتجى. ولأنني متخصّص في التاريخ وأمثّل الهيئة اللبنانية للتاريخ، فإنّني سأركّز على مسألة أهميَّة تعليم التاريخ في المساهمة في تطوير العقد الاجتماعي الجديد للبنان.

         سأوضح.

         لطالما تجاذب مادة التاريخ تيَّاران تربويَّان. أوّل يعتبر أنَّ هذه المادة هي كمادة التربية المدنيَّة والوطنيَّة، معنيَّة بأنْ ترسّخ عند الأجيال الجديدة ذاكرة موحّدة تكون أساسًا مشتركًا لبناء المواطن اللبناني ذات الذاكرة والخلفيَّة الموحّدة الإنصهاريَّة. وتيّار آخر، يعتبر أنّه يتمّ تحميل مادة التاريخ أكثر ممّا تحتمل، فهي مادة مفترض أنْ تنمي لدى الطالب بعض المهارات والقدرات وتعطيه أساسًا لثقافة تاريخيَّة أوليَّة، يقوم هو بتطويرها إنْ رغب بالتخصّص بها في المرحلة الجامعيَّة. 

وللحقيقة، حاول صنّاع القرار التربويين منذ الاستقلال التشديد على التيّار الأوّل. لكنّ النتيجة أتت بخلاف ما ارتجوا. فلم ينجح اللبنانيَّون لا في بناء ذاكرة موحّدة ولا في بناء مواطنيَّة انصهاريَّة ولا في صيانة عقدهم الاجتماعي. فتعرّض هذا الأخير لكثير من الانتهاكات على يد اللبنانيّين أنفسهم (على الرغم من أنَّ الكثير من المؤرّخين يعتبرون أنَّ حروب لبنان ما بين 1975 و1990 كانت حروب الآخرين وليست حروب اللبنانيّين). لكن بقي دومًا السؤال الكبير يطرح نفسه: هل كان استطاع الآخرون إعمال الحروب في لبنان لولا تواطئ بعض اللبنانيّين معهم؟ 

         بكلّ الأحوال فشلت المحاولة. أكثر من ذلك، عجز صنّاع القرار التربوي والأكاديميّون المعنيّون بمادة التاريخ وأهل هذه المادة، (أو ربما لم تكن لديهم الإرادة لذلك) عن صناعة منهج جديد لهذه المادة بعد العام 1968، وذلك لأنهم كانوا دومًا يربطون المادة بفكرة ضرورة صهر اللبنانيّين، متغافلين عن واقع أنَّ اللبنانيّين شعب متنوّع بفئاته، ولكلّ من جماعاته سرديّتها التاريخيَّة ودلالتها الخاصّة بها لكلّ حدث تاريخي. وما يجدر ذكره هنا، أنَّ هذا العجز إنّما أتى رغم قيام موقعّي اتفاق الطائف (أو ما عُرف بوثيقة الوفاق الوطني التي وقّعها نواب لبنانيّون في العام 1989 في مدينة الطائف السعوديّة) كانوا قد أقروا ضرورة وضع كتاب موحّد للتاريخ ضمن نظريَّة الصهر نفسها.

         جاءت إذًا كلّ محاولات وضع منهج موحّد وكتاب موحّد للتاريخ فاشلة، على رغم من محاولة واحدة قادها البروفيسور نمر فريحة أثناء ترؤّسه للمركز التربوي للبحوث الإنماء في العام 2000، والتي كادت أنْ ترَ النور لولا التدخّل والتعطيل السياسي المباشر الذي أتى آنذاك من جانب وزير التربية.

على الرغم من كلّ هذه الخيبات، لطالما برهن المجتمع اللبناني عن ديناميَّة مميّزة تأتي أحيانًا من المبادرات الفرديَّة والمجتمعيَّة والنخبويَّة أكثر مما تأتي من الناحية الدولتيَّة أو المؤسساتيَّة. هنا، لا بدّ من التكلّم عن مبادرة أطلقتها الهيئة اللبنانيَّة للتاريخ (Lebanese Association for History)، وهي منظّمة غير حكوميَّة أسَّسها أساتذة تاريخ وأكاديميون متخصّصون في التاريخ وفي العلوم التربويَّة. وقد انطلقت هذه المبادرة من فكرة أنّه لا يمكن غضّ الطرف عن واقع أنَّ مادة التاريخ في لبنان باتت مادة ميتة بكلّ ما للكلمة من معنى، وأنّه لا بدّ من القيام بشيء ما من أجل إعادة إحياء هذه المادة لأهميّتها المعرفيَّة والثقافيَّة والبنائيَّة على السواء.

وإنْ أردنا تلخيص هذه الفكرة-المبادرة، فإنّه يمكننا القول أنّها تنطلق من مقاربة جديدة لمادة التاريخ تقوم على اعتبار هذه المادة "مجالًا معرفيًّا" (Discipline) يتمّ من خلالها بناء الإنسان وملامحه وقدراته وليس مجرّد سرديَّة أو قصَّة رسميَّة يتمّ تناقلها عبر الأجيال. فإذا اعتمدنا التاريخ مجالًا معرفيًّا في المدرسة، فإنّنا نكون قد حرّرناه من كلّ الأثقال التي رُميت عليه بحجّة أنه وسيلة لصهر اللبنانيّين. وعليه، يصبح التاريخ في المدرسة أداة ووسيلة ليس لتلقين الطالب وتحفيظه سردية متّفق عليها مسبقًا، بل لبناء ملامحه وقدراته بشكل مباشر، وتمرير الكثير من القيم الإنسانيَّة والمواطنيَّة إليه بشكل غير مباشر وحتى من دون الإعلان عنها.

وبالتالي، بدل أنْ يدخل أستاذ مادة التاريخ الصفّ، ساحبًا من شنطته كتاب التاريخ، واضعًا عنوان الدرس على اللوح، ليسمّع الدرس على طلابه طالبًا منهم أنْ يقوموا بحفظه، فإنَّه سيدخل وفق هذه المقاربة الجديدة إلى الصفّ حاملًا معه كمًّا معتبرًا من المستندات التاريخيَّة (نصّ تاريخي، صور، فيديو، رسم، غرافيتي، نقود، إلخ...) وخطّة أنشطة. هنا تسألونني: ماذا سيضع على اللوح بدل عنوان الدرس؟ تقترح الهيئة اللبنانيَّة للتاريخ أنْ يتمّ استبدال العنوان بسؤال تحقيق يعكس مفهومًا تاريخيًّا: السببيَّة، التغيير، الثبات والاستمراريَّة، الدلالة التاريخيَّة، التنوّع التاريخي، إلخ....

في اللحظة التي يضع فيها الأستاذ سؤاله على اللوح، موزّعًا مستنداته على طلابه، مقسّما إيّاهم فرق عمل مشتركة وفق أنشطة موجّهة للإجابة على السؤال، فإنّه يكون قدّ حوّل صفّه من مجرّد حصة تلقين وتحفيظ، إلى ورشة عمل، يتمّ من خلالها تطوير مهارات الطلاب في البحث والتقصّي وقراءة المستندات التاريخيَّة وتحليلها ومقارنتها ومقاطعتها ببعضها البعض والتأكد من موثوقيَّتها وصولًا لاستخراج المعلومة التاريخيَّة والأدلّة التاريخيَّة التي تجيب على سؤال التحقيق. تأمَّلوا معنا في كلّ هذه المهارات والقدرات التي نكون في طور بنائها مع الطالب: القراءة العميقة، البحث والحفر المعمّقين، التحليل، العمل الجماعي، الإصغاء، الاستدلال، الاستخراج، الاستخلاص، النقاش، إدارة الوقت، توزيه المهام، العرض، إعمال التفكير النقدي وبالتالي التفكير المستقل والمبدع، إلخ إلخ... أكثر من هذا، إذا أخذنا العمليَّة برمّتها فإنّنا نكون قد حوّلنا حصة التاريخ من إلقاء يقوم به الأستاذ-النجم يكون فيها الطلاب فقط متلقيّن غير متفاعلين، إلى ورشة عمل يصبح فيها الطلّاب هم النجوم وليس الأستاذ، متحوّلين إلى استقصائيّين، وأقول حتّى "مؤرّخين صغار"، يقومون هم بكلّ العمل تحت إشراف أستاذهم ذات الثقافة الواسعة والكفاءة العالية في إدارة الصف والأنشطة. والأهمّ، أنَّه بدل أنْ نقوم بتلقين طلابنا سرديَّة واحدة حفظًا، فإنّ طلابنا هم سيقومون بأنفسهم ببناء سرديَّتهم التاريخيَّة بناءً على المستندات التاريخيَّة المتواجدة بين أيديهم. وبهذا، وبدل السرديَّة الواحدة، سيكون عندنا سرديَّات متنوّعة تعكس كلّها الحقيقة التاريخيَّة إنَّما من زوايا ومناظير متعدّدة. 

هنا أيضًا أدعوكم إلى التأمل في الكمّ الهائل وفي نوعيَّة القيم الإنسانيَّة والمواطنيَّة التي سيكتسبها الطالب ولو بشكل غير مباشر، ولو من دون الإعلان عنها، خلال عمليَّة التقصّي هذه: العمل معًا، قبول الآخر والعمل معه، قبول الاختلاف، الإصغاء للآخر، بناء الروح الديمقراطيَّة أثناء العمل المشترك، الحريَّة، التنوّع، الروح النقديَّة والبنائيَّة، إلخ إلخ... 

إنَّ هذا الإنسان ذات المهارات والقيم الإنسانيَّة والمواطنيَّة والثقافة التاريخيَّة التي اكتسبها في المدرسة أثناء حصّة مادة التاريخ هو الذي سيكون قادرًا على بناء وصيانة العقد الاجتماعي اللبناني الجديد الذي يرتجيه اللبنانيّون. وهو الذي سيكون قادرًا على التفاعل مع واقع وأماني مجتمعه لأنه يفهم البنية التعدّديَّة لهذا المجتمع. 

فعند بناء هذا الإنسان-المواطن-الفرد-الشخص ذات الميل الحرّ المتقبّل للآخر، صاحب التفكير النقدي المستقل المبدع المحبّ للخير واللحق وللجمال وللسلام، يصبح كلّ بناء مواطني مستقبلي واقعي وممكن. 

هنا دعوتنا لكلّ المعنيين، دولة، ومجتمعًا، وأساتذة تاريخ وأكاديميين متخصّصين في التاريخ وفي العلوم الاجتماعيَّة والتربويَّة، وصنّاع القرار، لإطلاق مسار لجعل التاريخ من جديد مادة إنسانيَّة، بما يفترضه هذا المسار، من صناعة منهج جديد موحّد للتاريخ حاضنًا لواقع التنوّع اللبناني وساعيًا لبناء الإنسان الذي نرتجيه في لبناننا ومنطقتنا المحيطة. ولتصبح المدرسة في لبنان خطّ دفاع عن لبنان الحضاري الذي نريد، لبنان الإنسان، لبنان السلام والازدهار، لبنان الفاعل في بناء الحضارة الإنسانيَّة الحديثة. 

A+
A-
share
أنظر أيضا
17 حزيران 2024 بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024
بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024 بقلم ايليو مبيض، صحافي
17 حزيران 2024
بقلم ايليو مبيض، صحافي
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد