ما هو دور علم النفس الإيكولوجي في الكشافة؟

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 05 أيار 22 بقلم يارا سنجب، معالجة نفسية 7 دقائق للقراءة
ما هو دور علم النفس الإيكولوجي في الكشافة؟
عدرا قنديل ©
فيما أنتم تجلسون على أريكتكم وتحملون هاتفكم الخليوي في أياديكم، حاولوا الإسترخاء وتخيّلوا أنفسكم في الطبيعة. الأشجار فوق رأسكم، والعشب تحت أقدامكم، وحرارة الشمس تلفح بشرتكم، وصوت الرياح اللطيف يداعب وجهكم وأذنيكم... هل لاحظتم تغيّراً في مشاعركم وأحاسيسكم؟ هذا الشعور القوي الذي تشعرون به، نتيجة تواصلكم مع الطبيعة، قويّ جداً لدرجة أنّ هناك عِلماً وراءه: علم النفس الإيكولوجي.

علم النفس الإيكولوجي أو علم النفس البيئي هو الدراسة التي تطابق بين الطبيعة وتأثيرها على رفاهية الفرد والمجتمع من أجل زيادة الموارد لمنفعة الطبيعة والإنسانيّة. إنه علم تمّ استحداثه عند بروز ظاهرة الإحترار العالمي، وازدهر بعد الجائحة حيث بدأت البيئة تكتسب قيمة أكبر من الإقتصاد، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الحضرية ويُتاح لهم الوصول إلى محلات السوبرماركت وليس إلى الحدائق. إن حالتهم النفسية غير قابلة للمقارنة بالحالة النفسيّة لأولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية.

 

وهكذا، فإن الطبيعة تؤثر علينا، وهذا التأثير متبادل. لذلك، يؤثر علم النفس الإيكولوجي تأثيراً إيجابياً على الطبيعة أيضاً. عندما تقعون في حب شيء ما، تبدأون في حمايته والعناية به، كما تقدّرونه وتنقلون هذا الحبّ إلى الآخرين طوال حياتكم. وهذا ما يحدث في الكشافة، حيث تكون البيئة طريقة ووجهة في الوقت نفسه، في حياة أعضائها. إذن ما هو دور علم النفس الإيكولوجي في الكشافة؟

من الناحية التاريخيّة، مارست الفرقة الكشفيّة الأولى التي أسسها روبرت بادن باول في إنكلترا نشاطها للمرة الأولى في عام 1907. وأبدى بادن باول حماسة كبرى للطبيعة والشباب، فكان يعتقد أنه يمكنهم التعلّم والتغيير كثيراً إذا كانوا في المكان المناسب. وتوسعت الفرقة بسرعة لتصبح أكبر حركة شبابيّة تطوّعية في العالم. ويوجد حالياً العديد من الجمعيات الدولية، مثل المنظمة العالمية للحركة الكشفيّة، والرابطة العالمية للمرشدات وفتيات الكشافة، والمؤتمر الكاثوليكي الدولي للإرشاد، والعديد من المنظمات الأخرى.

 

في لبنان، يُعتبر الاتحاد اللبناني للمرشدات والدليلات الذي تأسس عام 1937 وكشافة لبنان المخصص أساساً للفتيان التي تأسست عام 1930 أكبر وأقدم جمعيتين، وقد ساعدت الجمعيتان في انطلاق الحركات الكشفيّة في لبنان. وبعد حصول البلاد على استقلالها، انتشرت الحركة الكشفيّة بسرعة. وما لبثت أن لعبت كل الجمعيات الكشفية دوراً مهماً في مساعدة المدنيين خلال الحرب الأهليّة، علماً أنه توجد اليوم أكثر من 30 جمعية كشفية في لبنان. في عام 1961 تأسس الاتحاد الكشفي اللبناني، ومن ثم تسجل في المنظمة العالمية للحركة الكشفية. تجدر الإشارة إلى أن لبنان فاز 4 مرات بوسام الذئب البرونزي، وهي الجائزة الوحيدة التي يمكن أن تقدمها المنظمة العالمية إلى الحركة الكشفيّة.

 

لمعرفة المزيد عن الطبيعة والرفاهيّة والكشافة، أجرينا مقابلتين في البداية مع المفوضة في الإتحاد اللبناني للمرشدات والدليلات مورييل أبي عكر، وقائدة المرشدات في الجمعية نفسها ريبيكا طربيه. وقد أعربتا عن تقديرهما لتجربتهما الإيكولوجية في الكشافة من خلال الإشارة إلى "التأثير الذي لا يُنسى للكشافة والطبيعة والمخيّمات على الحياة". لقد علمتهما الكشافة الكثير عن الطبيعة وكيفيّة احترامها حيث قالتا: "نحن لا ندقّ مسماراً على شجرة ونستخدم الحبال فقط. نحن لا نقطع الأشجار من أجل إشعال النار في الهواء الطلق، بل نبحث عن الأغصان الميّتة أو نقطع العشب اليابس من أجل حماية الغابة التي نكون فيها من الحرائق". لا تؤدي هذه السلوكيات الصديقة للبيئة إلى تغيير موقف الأطفال تجاه الطبيعة فحسب، بل إلى تغييرات إيجابية في سلوكهم خارج إطار الكشافة. حتى الآن، يشعرون بأنهم إجتماعيون ومتعاطفون ومحترمون ومفيدون إزاء الأشخاص من حولهم. في الواقع، سيجد الفرد الذي تدرب على احترام الطبيعة وحمايتها، من دون أن يتوقع أي شيء في المقابل، أنّ احترام الناس أمر بديهي.

 

وتابعت مورييل قائلة: "أشعر بأنني أكثر إنتاجاً في العمل بعد أسبوع من عودتي من المخيم، إذ يبدو وكأن عقلي كان في دورة تدريبية". يُفسَّر هذا الأمر، بأن الوجود في الطبيعة هو في الواقع تجربة متعددة الأحاسيس. فالألوان العديدة التي نراها فيها تحفّز حاسة البصر، فيما تحفّز أصوات الحيوانات والرياح حاسة السمع بطريقة مريحة للغاية، وتلعب حاسة الشم دوراً في تحسين الذاكرة، ويمكن أيضاً أن تتحفّز حاستا اللمس والتذوق في هذا السياق. ومن شأن تحفيز كل تلك الوصلات العصبية في الدماغ ألا يحسّن فقط من جاهزية أعضاء الكشافة وطاقتهم وصحتهم العقلية، بل أنه يحسّن أداء الدماغ أيضاً، ولهذا السبب يشعرون بالتعب الجسدي بعد المخيّم، لكنهم يكونون نشيطين ومنتجين ذهنياً. كما أكدت ريبيكا قائلة: "نشعر بأنّ لدينا دائماً مكاناً نعود إليه"، وهذا يُظهر الشعور بالإنتماء الذي تخلقه الطبيعة: أن نكون جزءاً من كونٍ كبير. ومقارنة بالآخرين، تعتقدان أن الكثير من أعضاء الكشافة يجدون سلامهم وملاذهم في الطبيعة، فيما قد يقضي آخرون ليلة في الخارج أو المزيد من الوقت أمام أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف المحمولة الخاصة بهم. وقالت ريبيكا: "عندما أشعر بالتعب في العمل، أجد نفسي أخرج من المكتب وآخذ إستراحة في الحديقة الصغيرة المجاورة لنا. أنا أعرف نوع العلاج الذي يلائمني"، فيما قالت مورييل أنها تفعل الشيء نفسه. ويُفسر ذلك من خلال الرابط الذي كان لديهما في تجربتهما السابقة في الكشافة، بحيث ترتبط التجارب الممتعة بالكشافة التي ترتبط بدورها بالطبيعة، لذلك ترتبط الطبيعة بالسعادة والتفاعل والسكينة. لقد أصبحت الطبيعة ملاذهما أينما ذهبتا. بالإضافة إلى ذلك، كلاهما الآن من عشاق رياضتي المشي لمسافات طويلة والركض. في الواقع، لا يمكنكم أن تكونوا خاملين في الطبيعة، فهي تدعوكم إلى التحرك، وممارسة رياضة المشي لمسافات طويلة، والتسلّق، والإكتشاف. ومن المعروف أن الرياضة هي مكافح طبيعي للتوتر يفرز الدوبامين والسيروتونين والنورأدرينالين، فتعمل جميع هذه الناقلات العصبية على تحسين مزاجنا ونظرتنا لإلى أسلوب حياتنا ورفاهيتنا. كما أن صحتنا الجسدية يمكن أيضاً أن تتحسّن وفقاً لتأثير حبّ الطبيعة الذي يثبت أن الإرتباط بها له آثار إيجابية على جهاز المناعة والوقاية من الأمراض.

 

ينشأ الإرتباط بالطبيعة في الكشافة منذ اللحظة الأولى، فالفِرق الأصغر سناً (بدءاً من 7 سنوات) ملزمة بإنجاز مهمة تتعلِّق بالطبيعة، مثل زراعة حبّة وحفظ نملة من أجل الحصول على ترقية. ومع تقدم الفِرق الكشفيّة في السن، تصبح المهام أكثر تعقيداً، وتشمل على سبيل المثال زراعة الأشجار وإعداد نموذج معماري لمنطقة معيّنة، واستكمال بحث عن التلوّث، وما إلى ذلك. وتشارك الفِرق أيضاً في العديد من المشاريع المتعلّقة بالطبيعة، مثل تنظيف الشاطئ وغرس الأشجار. وتُجرى العديد من التدريبات أيضاً فتتعرف الفرق على الغابات اللبنانية، والتنوّع الطبيعي، وإعادة التحريج، وتُسمى بعض الفِرق بأسماء الأشخاص الشغوفين بالطبيعة. في الفِرق الأكثر تقدّماً في السن، تتحدّ الحياة مع الطبيعة لتصبحا كياناً واحداً. تقيم الفرق الكشفيّة مخيّمات تسمّى "مخيّمات طائرة" لمدة أسبوع، على غرار تلك التي يقيمها البدو الرُحَل. فتقوم بنزهات سيراً على الأقدام من قرية إلى أخرى طوال اليوم، وتنصب خيامها ليلاً أينما تجد مكاناً يمكنها التكيّف معه والبقاء فيه، مما ينمّي إحساسها بالمكان.

 

في المرة الثانية، أجرينا مقابلة مع المسؤول عن الطرق في جمعية كشافة الأرز رودي أبو رجيلي الذي عبّر عن كيفيّة اهتمامه بالطبيعة وتواصله معها بقوله "إن الاهتمام بالطبيعة أمر ممتع بالنسبة إليّ وإلى فريقي. نُجري مسابقات بين الفِرق تتعلّق بالنظافة في خيَمنا". يربط أعضاء الكشافة كلاً من الانضباط والقيم بالمرح، مما يجعل هذه القيم متأصلة في شخصيتهم وفي كيفيّة تأثيرها الطويل الأمد على تصرفاتهم. وأضاف: "تعلّمنا في الكشافة أن نكون مرتبطين بكل شيء". هذا مهم جداً من الناحية النفسية، ولتفادي القلق أو عدم الواقعية أو المبالغة في التفكير، من المهم للغاية أن نتعلّم الترسخ في الأرض، فهذا يساعدنا على أن نعيش اللحظة الحالية عوضاً عن البقاء أسرى لأفكارنا القلقة. إنها تقنيّة علاجيّة تساعدنا كي نكون متيقظين. وبوصفه شاباً، لا تساعد رودي الخلفية الشرقية دائماً على التعبير أو التعاطف مع الآخرين، لكنّ الحياة الكشفيّة تساعده على ذلك. فهو يقدم المساعدة في جميع الأعمال ويتحسّن من حيث الشعور بالمساواة مع الجميع في بيئته.

 

أضاف رودي: "نذهب إلى المخيّمات ونحن مزوّدون بالحد الأدنى من المعدّات ونصنع كل شيء من المجَالي والعلاقات ورفوف الأطباق والمراحيض وما إلى ذلك، بدءاً من الصفر". وبعد أن أمضى كل هذه السنوات في الكشافة، قال: "أشعر أنني بارع في العديد من الحالات الجديدة التي أواجهها في الحياة". في الواقع، تساعد الكشافة في تعلم مهارات البقاء على قيد الحياة، فيتكيّف المرء بسرعة مع البيئة ويصنع ما يحتاجه من نقطة الصفر. هذه الاختراعات الصغيرة مهمة للتكيّف والإبداع في ممارسة المهارات الصديقة للبيئة، والمرونة إزاء التغييرات التي تحصل في مراحل لاحقة من الحياة. كما أنها تلعب دوراً في زيادة الشعور بالإنجاز وتقدير الذات.

يمكن أن يؤدي الإرتباط بالطبيعة إلى تحسين الحياة على المستويات الإجتماعيّة والنفسيّة والتعليميّة. لا يمكننا إغفال أن الطبيعة تمثل جذورنا، فإذا قررنا الترسّخ فيها سوف ننمو يوماً بعد يوم لتحقيق أفضل ما لدينا. لكنّ الطبيعة تعاني الآن لدرجة أننا، بعيداً من علم النفس الإيكولوجي، بدأنا دراسة ما نسميه الحنين إلى الماضي (سولاستالجيا) وهو مصطلح يصف الأزمة الوجودية الناجمة عن الدمار الحاصل في الطبيعة.

يجب ألا ننسى أن قضاء 120 دقيقة في الطبيعة أسبوعياً، له تأثير إيجابي على رفاهية الفرد وصحته الجسدية والوظائف الإدراكيّة لديه. إذن، أخرجوا إلى الطبيعة وعانقوا الكون...

A+
A-
share
أنظر أيضا
22 أيلول 2022 بقلم سمير سكيني، صحافي
22 أيلول 2022
بقلم سمير سكيني، صحافي
22 أيلول 2022 بقلم فيفيان عقيقي، صحافية
22 أيلول 2022
بقلم فيفيان عقيقي، صحافية
19 أيلول 2022 بقلم فرح منصور، صحافية
19 أيلول 2022
بقلم فرح منصور، صحافية
أحدث فيديو
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam

السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة

حزيران 03, 2022 بقلم امل عيسى، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
22 أيلول 2022 بقلم سمير سكيني، صحافي
22 أيلول 2022
بقلم سمير سكيني، صحافي
22 أيلول 2022 بقلم فيفيان عقيقي، صحافية
22 أيلول 2022
بقلم فيفيان عقيقي، صحافية
22 أيلول 2022 بقلم مارك فياض، فنان
22 أيلول 2022
بقلم مارك فياض، فنان
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد