السلام البيئي أسس حضارة ما بعد الكوارث المناخية

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 27 نيسان 22 بقلم حبيب معلوف، كاتب وصحافي بيئي 5 دقائق للقراءة
السلام البيئي أسس حضارة ما بعد الكوارث المناخية
عدرا قنديل©
يحمل مفهوم السلام والبيئة الكثير من الدلالات التي لم يتم التطرق إليها والتفكير في أبعادها كافة بعد. ويمكن القول، من دون تسرع، أن أبعد الأبعاد هي تلك التي لن تعرف مداها إلا في حين اقترابها من نهايتها. بمعنى أصرح وأوضح، لن يعرف مدى ارتباط موضوع السلام بالبيئة، إلا حين يصبح تدمير البيئة المسبب الأول للنزاعات حول العالم.

كانت الأمم المتحدة قد اعتقدت أنها نجحت في حل النزاعات المتعلقة بتغير المناخ عندما ابتدعت مفهوم "المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة"، لإقناع الدول بالتوقيع على الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ العام 1992 وما بعده من بروتوكولات تنفيذية كمثل بروتوكول كيوتو العام 1997. إلا أن هذا "الحل" ، سهل التوقيع على الاتفاقية وابرامها من الحكومات والبرلمانات، ولكنه لم ينجح في إنقاذ المناخ، ولا في فتح اي امكانية لمعالجة الكوارث التي ستنجم عن تغير المناخ. كانت فكرة او فلسفة المسؤولية "المتباينة" تريد ان تقول أن كل دول العالم مسؤولة عن إنتاج الانبعاثات التي تتراكم في الغلاف الجوي والتي تتسبب بتغير المناخ، إلا أن البلدان الصناعية الكبرى والتي حصلت فيها الثورة الصناعية، هي مسؤولة أكثر من غيرها من البلدان النامية… ولذلك هي تتحمل المسؤولية التاريخية الأكبر، وعليها أن تبدأ هي أولا بحل مشكلة المناخ. هي المشكلة التي باتت في مظاهرها (المناخية) المتطرفة، من زيادة الهطولات والتسبب بالفيضانات او بزيادة حرارة الارض والتسبب بالجفاف وبحرائق الغابات وذوبان الجليد وارتفاع مستويات البحار وغمر الشواطئ بالمياه واختفاء البلدان الجزرية وتحمّض المحيطات وضرب الانظمة الايكولوجية البحرية وتهديد الأنظمة الغذائية والصحة العامة … يمكن أن تتسبب أيضا بموجات من النزوح والهجرة البيئية القسرية، أكبر من تلك التي كانت تسببها الحروب الكبيرة! 

 

كانت الدول الغنية والصناعية والمتقدمة تقدم المساعدات للدول الجزرية والأكثر فقرا، مما يخفف من ثورات الغضب ومن حدة النزاعات، إلا أن تلك المساعدات، ومهما بلغ حجمها، لن تكون مجدية حين تحصل كوارث المناخ وتتسبب بالنزوح وترك الأراضي والأوطان والتراث… او ترك الحياة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى زيادة الجفاف ونقصان المياه وتلوث التربة وانجرافها وإنتاج النفايات والتخلص منها بشكل عشوائي او انتقال الخطرة منها من منطقة إلى أخرى سرا او تواطؤا… كل ذلك يمكن أن يتسبب بأشكال جديدة من النزاعات ومن العنف والإرهاب انتقاما. وعندما تعرف شعوب العالم أكثر وأكثر أن أسباب تغيرات المناخ والكوارث التي ستنجم عنها هي "اسباب انسانية" ولا تصنف كوارث طبيعية، وهي ناجمة عن أنظمة ومسؤولين عنها، تسببت بزيادة الإنتاج والاستهلاك (من وقود احفوري ومن موارد وسلع ومن غذاء)، وان ليس هناك من عدالة اجتماعية واقتصادية ومناخية أيضا… فإن الانقسام سيتعمق والشعور بالرغبة بالانتقام أيضا، وبالتالي تصبح قضايا المناخ والبيئة اكبر مسبب للحروب في المستقبل. 

 

حتى الأمس القريب، كانت الطاقة الأحفورية التقليدية والسباق على الاستحواذ عليها وتسعيرها ومد خطوط نقلها بين الدول والحدود، مصدر لأكبر النزاعات والحروب حول العالم. ويراهن الداعمين لاعتماد الطاقات المتجددة البديلة التي في طبيعتها غير ناضبة ولامركزية، بأنها يمكن أن تخفف من النزاعات الجيوسياسية للطاقة الأحفوري وتفك القدرة على الاحتكار، إذ أن مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والهواء وقوة تدفق المياه، عالمية وغير متمركزة وغير ناضبة، ويمكن أن تشكل البديل الآمن، وتساهم في إرساء أسس السلام العالمي. ولكن هذا التوجه لن يكون واقعيا الا اذا اقتنع العالم بفلسفة الكفاية وليس بفلسفة التنمية التي تطلب "الزيادة" بكل شيء. بمعنى آخر، تصبح الطاقات المتجددة بديلا واقعيا اذا اقتنعنا اننا يجب أن نعيش ونتعايش في المرحلة المقبلة مع طاقة أقل، بحسب طبيعة مصادر الطاقة الطبيعية والنظيفة. مما يعني أن شروط السلام المرتجى، لا تؤمن إلا إذا خففنا من طموحات السيطرة والتوسع والسباق على الموارد والأسواق، بأي ثمن، واعتمدنا الأسس الحديثة للعدالة المناخية والبيئية. وهي الأسس التي تفرضها حضارة ما بعد الكوارث المناخية. العيش مع مقولة "طاقة أقل" تعني أيضا، طاقة لكل الناس. كما تعني أيضا المزيد من العدالة ونزاعات أقل. والمعادلة نفسها تنطبق على اهم مورد حيوي بعد الهوا، الماء.

 

 فلو اعتمد بلد صغير مثل لبنان على طبيعته الغنية بالمياه المتدفقة لانتاج الطاقة الكهرومائية وعلى 3000 ساعة شمس يتمتع بها سنويا وعلى الرياح الدائمة في أكثر من منطقة، لوفر على نفسه الكثير من النزاعات والفساد والهدر والتلوث في هذا القطاع...ولوفر لنفسه كفاية طاقوية تساعده في إنجاز استقلاله الحقيقي بعيدا عن صراعات المحاور، ولخفف على نفسه الكثير من التبعية المولدة لنزاعات، لا تنتهي الا بنهاية الكيان او تهجير أبنائه. 

 

اما اذا نظرنا إلى أصغر المشاكل البيئية كقضية النفايات المنزلية فماذا نكتشف؟ صحيح انها لم تتسبب بمشاكل ونزاعات قوية تاريخيا، الا أن ذلك لم يحصل لأننا كنا ندفع كلفة عالية على التخلص منها (وليس معالجتها) لكي نجمعها ونطمرها. عمليا كنا نخفيها تحت الأرض او نرميها في مكبات غير منظورة، لكي لا تظهر كمشكلة. وبالرغم من ذلك، وصلت المطامر إلى سعتها القصوى وضاقت الأراضي بها، خصوصا في المدن الأكثر اكتظاظا بالسكان. كما تسببت المكبات العشوائية بكل أنواع التلوث. والكل يذكر أزمة العام 2015 - 2016 ، عندما اقفل مطمر الناعمة وبقيت النفايات في الطرقات في العاصمة وضواحيها والقسم الأكبر من جبل لبنان… والتهديدات باستخدام العنف مع الأهالي الذين رفضوا أن يحولوا مناطقهم إلى مطامر لنفايات الآخرين، فكانت النتيجة التفكير الجنوني في ترحيلها إلى الخارج (خيار فشل) او رميها في البحر في موقعين يعبران عن التوزع الطائفي شرق وغرب العاصمة (برج حمود الجديدة من جهة وكوستابرافا من جهة أخرى) ، تجنبا للنزاعات أيضا. وقد دفع الشعب اللبناني غاليا جدا ماليا وبيئيا وصحيا من أجل تجنب النزاعات في موضوع معالجة النفايات، وليته مع ذلك سلم! 

 

في الحصيلة، بقدر ما تكون قضايا البيئة من صغيرها الى كبيرها مصدر نزاعات وحروب جديدة، ممكن أن تشكل هي نفسها بابا مستداما للسلام، إذا ما تم تبني فلسفة بيئية متواضعة تحمل قيما عالمية عادلة، تخفف من غلواء الإنسان المتفوق الذي الّه نفسه واعتبرها مركزا للكون. فلسفة بيئية تعتبر الانسان نوعا (بين بقية الأنواع) وليس سيدا. انسانا متصالحا مع نفسه ومع الطبيعة، يحفظ توازن أنظمتها الطبيعية بنشاطه الاقتصادي، فتحفظ انظمته وأمنه وسلامه.

 

 

A+
A-
share
أنظر أيضا
17 حزيران 2024 بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024
بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024 بقلم ايليو مبيض، صحافي
17 حزيران 2024
بقلم ايليو مبيض، صحافي
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد