الأرشيف؛ ركيزة بناء الدول.. أين الحكومة اللبنانية منه؟

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 15 آب 22 بقلم محمد بزي، صحافي 7 دقائق للقراءة
الأرشيف؛ ركيزة بناء الدول.. أين الحكومة اللبنانية منه؟
عدرا قنديل
أزمات كثيرة عاشها لبنان منذ نيله إستقلاله عام 1943، لعل أسوأها في السنوات الثلاث الأخيرة، من أزمات حكومية وتخبط سياسي، وإنهيار للعملة الوطنية وفقدانها لأكثر من 85 في المئة من قيمتها، ما أدى إلى خسارة الكثير من اللبنانين لوظائفهم واقفال الكثير من المؤسسات.

 

هذه الأزمات دفعت بالشعب اللبناني للقيام بتحركات وإنتفاضات شعبوية ضد السلطة الحاكمة، ما أشعل الشارع اللبناني وأدى إلى مواجهات عنيفة مع القوى الأمنية، ولكن كل هذه المحاولات لم تتمكن من إحداث أي تغييرات تذكر بوجه هذه السلطة. ولم يكن المجتمع اللبناني بأكمله داعمًا لهذه التحركات، بل أكثر من ذلك، اعتبرت شريحة كبيرة من اللبنانيين أن هذه التحركات زادت وسرعت في إنهيار الدولة.

لم تظهر نتيجة التحركات المطلبية حتى حلول موعد الإنتخابات النيابية التي فاجأت اللبنانين بنتائجها، حيث حصد المستقلون مجموعة من المقاعد النيابية على حساب أحزاب السلطة، إلا أن الخرق الذي أحدثته الطبقة التغييرية، لم يكن كافيا لإحداث تغييرات جذرية، ما عزز تمسك فئة كبيرة من المواطنين بالأحزاب التقليدية على الرغم مما مروا به من أزمات.

 

كان 14 من تشرين الأول عام 2021، الحدث الأبرز بعد إنفجار المرفأ في 4 آب. أعادت أحداث هذا التاريخ إلى ذاكرة اللبنانيين المشاهد الدموية للحرب الأهلية بين منطقتين محاذيتين (الطيونة-عين الرمانة) اللتان كانتا خط تماس إبان الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) الأمر الذي كاد أن ينتج عنه ما لا تحمد عقباه ويعيدنا إلى الماضي الأسود.

هذه الأحداث المتتالية تدفعنا إلى طرح تساؤلات عديدة، لعل أبرزها التالي: "هل يستدرك اللبنانيون واقعهم ومستقبلهم من خلال معرفة وقائع أحداث الماضي؟ وهل استقوا العبر منها؟ ما هو الأرشيف؟ وما هو دوره في حل الأزمات؟ وهل يساعد على بناء الدولة ومؤسساتها ؟"

 

يعتبر المحلل السياسي إدريس يعقوب أن الأرشيف ثروة لا مادية تجسد الإنتاج الوثائقي للنشاط البشري في كل الميادين. وهو يمثل شهادات عن أحداث الماضي وعن طريقة عمل المجتمعات، كما يكشف عن هوية الأفراد والجماعات ولكنها في نفس الوقت أشياء سهلة الضياع والإتلاف.

وينظر يعقوب إلى الأرشيف على أنه مستودع للذاكرة الوطنية، وسجل دقيق لتحركات الأمم والطرق التي أدارت بها نفسها. كما يعكس موقف الدولة ونهجها في الحياة بشكل عام.
وتنظر الدول الكبرى والمتقدمة إلى الأرشيف على أنه مورد قيم يمكن أن يساعدهم في تطوير قطاعاتهم وحل مشاكلهم. ويحتوي الأرشيف على العديد من المنظمات والهيئات الدولية المشاركة في إدارته وصيانته. ومن أهم هذه المنظمات اليونسكو، التي تنشر دراسات لصالح الدول الواقعة تحت مظلتها
.

 

” الأرشيف مستودع الذاكرة الوطنية وسجل دقيق لتحركات الأمم

 

المجلس الدولي للأرشيف، الذي يضم أكثر من 1500 عضو وافد من 195 دولة، يُعتبر من أهم الهيئات على المستوى الدولي. وهو منظمة غير حكومية تعمل تحت مظلة اليونسكو على توحيد المؤسسات والمهنيين العالمين في الأرشيف عبر العالم بغية الدفاع عنه والحفاظ عليه عبر قواعد محددة لهذا الغرض.

 

تأسس هذا المجلس في 9 من حزيران 1948، ليصبح بذلك هذا التاريخ يوما عالميا للأرشيف. وتعتبر هذه المنظمة إمتدادا للجنة الدائمة للأرشيف التي تأسست عام 1931 تحت لواء عصبة الأمم.

 

أما على الصعيد الوطني، وبعد تدهور الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية ومختلف أركان الدولة التي كانت مبنية على أوهام واهية، لا بد أن نسأل: "أين لبنان من الأرشيف اليوم؟".

 

عام 1978 تم إنشاء مؤسسة الأرشيف الوطني، وهي جهة حكومية تتولى مهمة تنظيم وإدارة الأرشيفات الوطنية بكافة أشكالها وأنواعها، وخاصة المدونات والمواد المستمدة من عمل الدولة في قطاعيها العام والخاص، ومن أنشطة الأفراد والوثائق والمواد التي تشكل التعبير الأصيل والحقيقي لتراث المجتمع اللبناني. تأسس الأرشيف الوطني في 26 ايار 1978 مع أول مجلس إدارة. تم منح هذا المجلس مكانة قانونية من قبل الحكومة.

وإذا أردنا الحديث عن وضع هذه المؤسسة التي تتمركز في شارع الحمرا، يمكن لأي شخص أن يستخلص الإجابة من مجرد تساؤله عما إذا كانت تمتلك المؤسسة موقع الكتروني أو دليل خاص بها، يمكن المهتمين من الوصول لأي معلومات عن المؤسسة.

والجدير ذكره أن المؤسسة التي تحتفظ بسجلات لبنان وذاكرته الوطنية، لم تستطع حتى اليوم من الحصول على مركز يستوفي الشروط التي يجب أن تتوافر في أبسط مركز لحفظ الأرشيف. فيمكن تلخيص حال المؤسسة

بوصف مديرها الراحل د. فؤاد عبيد حيث قال في إحدى المقابلات أن المؤسسة أصبحت أقرب الى مؤسسة إتلاف المحفوظات أكثر مما هي لحفظ الثروة الفكرية والثقافية والتراثية.

وفي مقابلة هاتفية مع الأستاذ إبراهيم عاصي رئيس دائرة التوثيق والمكتبة-بالتكليف تساءلنا أكثر عن وضع المؤسسة في ظل الأزمة التي يعيشها البلد.

رأى عاصي أن مؤسسة المحفوظات الوطنية ليست من أولويات الدولة التي تخصص لها موازنات مشحفة جداً تكاد تكفي رواتب وأجور وإيجارات. وكل سنة تقوم بخفض موازنتها حتى أصبحت أرقامها لا تذكر.

كذلك أشار عاصي إلى أن المؤسسة تقوم بدورها الفاعل على كافة الأصعدة، من تدريب موظفي الإدارات والوزارات على كيفية حفظ الأرشيف، وإيداع محفوظات بعض الوزارات في مستودعات مؤسسة المحفوظات الوطنية، بعد الإنتهاء من تنظيمها حسب الأصول.

هذا وتقوم المؤسسة بتأمين جميع الخدمات للمواطنين والباحثين والمؤرخين من خلال تزويدهم بكافة المعلومات التي تمتلكها المؤسسة دون أي بدل مادي، بحسب قوله.

وأضاف أن المؤسسة تفتقر إلى مبنى خاص يستوفي الشروط المطلوبة لحفظ الأرشيف، مع العلم أنه في العام 2014 صدر قرار عن مجلس الوزراء يكلف بموجبه مجلس الإنماء والإعمار بتأمين مبنى خاص بالمؤسسة. إلا أنه ولغاية تاريخه بقي القرار حبر على ورق رغم المراجعات الدائمة من إدارة المؤسسة.

ولكن ضمن حقبات تاريخية مختلفة، من هنا تبرز أهمية مواكبة الأرشيف الوطني لبناء الدولة وتطوير مؤسساتها.

ولفهم أهمية الأرشيف في بناء الدولة ودوره كان لنا حديث مع الدكتور عاد بشير، المدير السباق لكلية الإعلام- الفرع الأول في الجامعة اللبنانية ورئيس قسم إدارة المعلومات.

إستهل بشير حديثه بعبارة " إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ بل أكثر من ذلك إذا ضاعت الأصول وهن المستقبل". وإعتبر أن الدولة تصبح حجتها واهية وضعيفة في عدم قدرتها إثبات حقها من خلال الوثائق.
 ورأى
 أن الكثير من الدول التي تذهب للإحتكام على المستوى الدولي، لإثبات حقوقها على مستوى الحدود، أو الثروات سواء كانت ثروات نفطية أو بحرية، تلجأ لإثبات هذا الحق من خلال وثائقها.

وتولي الدول إهتماماً كبيراً للوثائق، لا بل هناك دول وبعضها عربية تجرم إتلاف الوثائق الأصلية وتضع قوانين ترعاها. ومن أجل الحفاظ على وثائقها تصدر كذلك قرارات ومراسيم حازمة ترتبط بكيفية الحفاظ على الأرشيف وكيفية التعامل معه.

وشدد بشير على أنه قليلٌ ما يمكن أن نجد دول تهتم بتاريخها وماضيها ومستقبلها والدفاع عن حقوقها دون أن تمتلك مركزاً قومياً للوثائق الصادرة عنها وعن القطاعات العاملة فيها، سواء كانت حكومية أو خاصة.

على صعيد إستقرار الدولة وتنمية مختلف القطاعات الموجودة فيها قال بشير إن مؤسسات المحفوظات تلعب دوراً مهما. إذ نشهد اليوم إلتزام معظم الدول بأهداف التنمية المستدامة ضمن برنامج الأمم المتحدة الذي يستمر حتى عام ونجد أن هذه الدول تعتمد على المراكز والمؤسسات المعنية في إتخاذ قراراتها والتعرف أكثر على هذه المناطق والقطاعات التي تصنف 2030  قيد التنمية، وتقع ضمن أهداف الأمم المتحدة حيث تطلع على هذه الوثائق لإتخاد القرارات الصائبة من أجل الوصول للأهداف المرجوة.

وأضاف أن الحفاظ على الحقوق يكون من خلال الحفاظ على الوثائق. والوثائق متنوعة منها ما يستخدم لإثبات حق خاص يرتبط بحقوق المواطنين، ومنها ما يرتبط بحقوق عامة وطنية متعلقة بالدولة ومصالحها الإقليمية والدولية. لذلك نرى إهتامأكبيراً في الوثائق المعنية بحقوق الدولة والمواطينين التي تضمن حقوق ممتلكاتهم وحقوقهم بمختلف المجالات.

 

إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ... إذا ضاعت الأصول وهن المستقبل

 

أما على المستوى الطبي فإن الإهتمام بالوثائق أمر أساسي وضروري فوجدها على مختلف أنواعها يساعد بإتخاد القرار الصائب ويسهم بتنمية البحث العلمي المرتبط بمكافحة الأمراض و يساعد على إيجاد علاجات للأمراض المتكررة.

وفي سياق الحديث قال بشير أن الوثائق دليل أساسي ورئيسي في مراقبة تطور الدولة من فترة إلى فترة أخرى ومن جيل إلى جيل آخر ومن خطة الى خطة أخرى، وهو دليل أساسي ومؤشر مهم في تقييم عمل المؤسسات.

إذ أنه من خلال العودة لهذه الوثائق يمكن الحكم على نجاح الخطط التي اعتمدتها الحكومة ومدى التزامها ببرامجها التي وعدت تنفيذها.

إذا تكمن أهمية وجود مراكز المحفوظات في دولة معينة، بمساعدتها في اتخاذ القرارت وبتبيان طريق المستقبل، كما وتعطي الفرصة للباحثيين معرفة تطور العمل السياسي وتطور النظام الإجتماعي. ولا بد بالتالي للحكومات أن تولي إهتماماً بأصولها الوثائقية والحفاظ عليها وإصدار المراسيم والقوانين المعنية للتعامل معها لناحية صدورها ولناحية تداولها وحفظها واعار الإحتفاظ بها لفترة زمنية.

A+
A-
share
أنظر أيضا
17 حزيران 2024 بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024
بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024 بقلم ايليو مبيض، صحافي
17 حزيران 2024
بقلم ايليو مبيض، صحافي
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد