إنعدام الأمن الطاقوي و بناء السلام

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 17 تشرين الثاني 21 بقلم مارك أيّوب، باحث في مجال الطاقة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت 6 دقائق للقراءة
إنعدام الأمن الطاقوي و بناء السلام
عدرا قنديل
لقد تصدّر موضوع الأمن الطاقوي/تأمين الطاقة محور النقاشات السياساتية على الدوام في البلد، حيث أثّرت إمدادات الطاقة المتضائلة وغير الموثوقة باستمرار على سبل عيش الشعب اللبناني.

علّمتنا الأزمة على مدى العامين الماضيين ، ملاحظة مهمّة جداً إختبرها الشعب اللبناني، خصوصاً خلال الأشهر القليلة الماضية. فقد تبيّن أن تأمين الطاقة، ولا سيما الكهرباء أو المشتقات النفطية،  بإمكانها أن تولّد النزاعات، كما أنّها تلعب دوراً مهماً لا يحظى بإعترافٍ كافٍ في ديناميات أمن الطاقة في لبنان.

لقد تصدّر موضوع الأمن الطاقوي/تأمين الطاقة محور النقاشات السياساتية على الدوام في البلد، حيث أثّرت إمدادات الطاقة المتضائلة وغير الموثوقة باستمرار على سبل عيش الشعب اللبناني. وقد أصبح انقطاع التيار الكهربائي الحادّ والمطوّل شائعاً في الأشهر الأخيرة ، وأدّى إلى تفاقم التحديات الإنسانية، وعرقلة النمو الإقتصادي، وأثّر على تأمين الخدمات الأساسية، مثل المياه والإتصالات السلكية واللاسلكية، وغيرها، في بلد يعاني من إحدى أسوأ الأزمات الإقتصادية في التاريخ.

نقطة ضعف كبيرة

سيكون من الإنصاف إفتراض أنّ أمن الطاقة يعني أشياء متنوعة بالنسبة إلى بلدان مختلفة أو حتى لأصحاب المصلحة المختلفين داخل البلد نفسه. فلقد تحوّل نطاق ما يعنيه أمن الطاقة فعلياً إلى ما هو أبعد من الغرض الوحيد المتمثّل في ضمان الإمداد المتواصل بالوقود. وعلى وجه التحديد، تمّ إدخال ما يعرف بالإنكليزية بال

Availability, Accessibility, Affordability and Acceptability’: 4As'

إنّ الحاجة إلى تحسين أمن الطاقة بمعناه الحالي أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة إلى بلدان مثل لبنان. كما أنّ الإعتماد المطلق على واردات الوقود لتوليد الكهرباء وقطاع النقل يسلّط الضوء على نقطة ضعف رئيسية. وفي حين أنّ تحقيق الأمن الكامل للطاقة يتجاوز واقع قطاع الطاقة في عصرنا هذا وقدرات البلدان النامية، فإنّ هذه الحاجة تبدو إلزامية وينبغي أخذها في الإعتبار دائماً.

تراكم العديد من أزمات الطاقة

مع تناقص إحتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان المركزي (BDL)، وعجزه عن الاستمرار بدعم الحاجات الأساسية، وخصوصاً منتجات الوقود، بدأت عملية إلغاء الدعم تدريجياً بين شهري حزيران وتشرين الأول 2021. نتيجةً لذلك، ومع استمرار النقص في الإمدادات، لعبت الطاقة دوراً رئيسياً في تفاقم التوتّرات المجتمعية، بل والنزاعات العنيفة في بعض الأحيان.

منذ بداية الصيف الحالي، قام سائقو السيارات بالإصطفاف في طوابير للحصول على البنزين لتزويد سياراتهم بالوقود على مدى أشهر. وامتدّت الطوابير لأميال، والإنتظار لساعات وأيام. وتحسّباً للمزيد من الانخفاض في قيمة العملة، وإلغاء إضافي للدعم، قام مورّدو الوقود بتأخير أو تخزين الإمدادات ممّا فاقم أزمة الطوابير. وبدأت حوادث الإضطرابات الإجتماعية تتزايد في محطّات الوقود مع تزايد النزاعات، وكان معظمها مصحوباً باستخدام الأسلحة ، ممّا تسبّب في إغلاق بعض المحطات بشكلٍ دائم. وفي حلول منتصف الصيف، كانت غالبية محطّات الوقود تخضع للإشراف الأمني؟. وظلت الحال على ما هي عليه حتى منتصف آب عندما بلغت الأزمة ذروتها. وقد تمّ تجنيد الجيش اللبناني للحفاظ على السلام والحدّ من التخزين، حيث قرّر المصرف المركزي وقف دعم الوقود بشكلٍ كلّي. اليوم، ومع إلغاء هذا الدعم بالكامل، إختفت الطوابير في لبنان فجأة. ويمكن لأيّ شخص الذهاب إلى محطّة الوقود وملء خزان سيارته بقدر ما يريد، بسرعة وكفاءة، تماماً كما كان يجري من قبل.

وقد لوحظ مثال آخر على النزاعات العنيفة خلال الفترة نفسها (آب 2021) في محطات التوزيع التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان. وأدّى نقص الأموال المتاحة لشراء منتجات الوقود لمحطات توليد الكهرباء التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان إلى بلوغ التغذية الكهربائية حوالى 1-3 ساعات يومياً. اقتحم بعض سكان بيروت والمناطق، بدعم من بعض الجماعات السياسية المناطقية، نحو 9 محطات توزيع تابعة لمؤسسة كهرباء لبنان وتحكّموا بالتغذية الكهربائية، مّما أفاد بعض المناطق بتغذية لمدة 12 ساعة تقريباً في اليوم بينما ترك البعض الآخر في حالة انقطاع شبه تامّ للتيار الكهربائي. وأعلنت مؤسسة كهرباء لبنان أنّ هذه المحطات "خارجة عن سيطرتها"، ممّا أثّر بشكلٍ كبير على التغذية الكهربائية على صعيد الشبكة الوطنية.

وفي ظلّ غياب الكهرباء التي تؤمّنها مؤسسة كهرباء لبنان، إضطرّ المواطنون والشركات إلى الإعتماد على خدمة الكهرباء الموازية التي توفّرها مولّدات الأحياء العاملة على المازوت الباهظ الثمن، والتي لم يعد معظمها قادراً على الحصول على إمدادات المازوت المطلوبة بأسعار السوق الرسميّة. وبالتالي إضطرّ أصحابها إمّا إلى شراء المازوت من السوق السوداء، أو إلى إتّباع برنامج تقنين صارم، الأمر الذي جعل أغلب السكان يعانون من إنقطاع التيار الكهربائي لمدّة عشر ساعات. وقد نشبت نزاعات عدّة في المجتمعات المحليّة والقرى بين أصحاب المولّدات والمشتركين، الذين لم يتمكّنوا من تحمّل فصل صيف حارّ جداً من دون كهرباء، إضافةً إلى عدم القدرة على تخزين الطعام في الثلاجات.

ليس هناك وقت أكثر أهمية من الآن للتأكيد على الحاجة إلى حوار أكثر شمولاً وتعاوناً وترابطاً حول (إنعدام) أمن الطاقة. هل يمكن إستخدام الطاقة كأداة لبناء السلام بدلاً من جعلها سبباً للنزاع؟ الإجابة المختصرة هي نعم، ولكن ليس مع الشكل الحالي لإدارة القطاع (أو غيابها). وينبغي أن تكون الرؤية للطاقة شاملة قدر الإمكان للتحول الطاقوي، وألّا تترك أحداً على الهامش في حين تخلق فرص بناء السلام من خلال مشاريع طاقة مبتكرة، ومستدامة، وأقلّ تلويثاً، وأكثر مراعاة للبيئة.

مرحلة ما بعد النزاعات وبناء السلام في الشرق الأوسط: دور مصادر الطاقة المتجدّدة

لعلّ توفير الخدمات الأساسية، في مرحلة ما بعد النزاع أو أثناء الأزمات، هو أكثر الأدوات فعالية لتعزيز السلام وإعادة بنائه، وتعزيز الشرعية، وتسريع الإنتعاش الاقتصادي. وبالنظر إلى بلدان المنطقة، يمكن للمرء رصد أمثلة لفترات إعادة الإعمار في العراق، وليبيا، وسوريا، وفلسطين، واليمن التي جاءت في نهاية النزاعات المسلّحة أو أثناءها، والتي كانت فيها الطاقة أولويّة. وفي فلسطين واليمن على وجه الخصوص، كانت إحدى تداعيات  الحرب إزدهاراً ملحوظاً في توليد الطاقة الشمسية، مصحوباً بارتفاع كبير في إستيراد وبيع أنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة. ونظراً إلى عدم قدرة الأسر المعيشيّة في صنعاء وقطاع غزة على وجه التحديد، على الحصول على الوقود أو تحمّل تكاليفه، فقد تحوّلت إلى إستخدام الطاقة الشمسية لتوفير الحدّ الأدنى من الكهرباء على الأقلّ للإضاءة، وشحن الهواتف، وضخّ المياه.

وبالتالي، فإنّ نشر مصادر الطاقة المتجدّدة في الدول المتضرّرة من النزاعات يتيح فرصة لنشر تكنولوجيات وأفكار جديدة، وتجربة نماذج جديدة للسياسات ونظم الطاقة الموزّعة التي لا تُستخدم عموماً في وقت السلم.

ومع الإعتراف بأنّ حقبة دعم الإنتاج  وتوفّره في أيّ وقت قد مضت الى غير رجعة، فإنّ التحوّل بشكلٍ أكبر نحو الطاقة المتجدّدة من شأنه أن يساهم في في تحقيق أمن الطاقة وبناء السلام بطرق عديدة. إذ قد يخفّف من المسّ بالأمن وحالة الضعف  من جرّاء الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويزيد من وفورات التكاليف الاقتصادية مع مرور الوقت، ويؤمّن إنخفاضاً كبيراً في إستهلاك المازوت للمولّدات الخاصة. وتتيح هذه المشاريع التي تقدّم خدمات الطاقة المحليّة، فرصاً جديدة للإسهام في بناء السلام، ودعم تنفيذ عملية السلام عن طريق تحفيز فرص العمل الجديدة وتحقيق الإستقرار الإقتصادي.

وينبغي أن تكون الطاقة من أجل بناء السلام في مقدّمة ومحور مناقشات السياسات المستقبلية، مع التسليم بأنّ التحوّلات في مجال الطاقة تبدأ مع الأشخاص وتعتم على حاجاتهم. ولطالما تسبّبت هذه التحوّلات في حدوث إضطرابات مجتمعية، ولن تشكّل التحوّلات الحالية إستثناءً. فالأمر منوطٌ بالحكومات والمجتمعات المحليّة لضمان عدم تخلّف أحد في الوراء.

 

المراجع

علي أحمد، وفيليب شيط، جمال الصغير، Post-Conflict Energy Planning in the Middle East (تخطيط الطاقة في الشرق الأوسط في فترة ما بعد الصراع)، متوفّر على الرابط:

https://www.aub.edu.lb/ifi/Documents/programs/energy_policy_and_security/articles/20191105_post_conflict_energy_planning_in_middle_east.pdf  

 

مدوّنة للدكتور نيل ماكولوتش -   ) Queuing for petrol in Bath and Beirut  الوقوف في طوابير للحصول على البنزين في باث وبيروت(، متوفّرة على الرابط:

 https://thepolicypractice.com/queuing-petrol-bath-and-beirut-blog-dr-neil-mcculloch

 

Renewable Energy in Palestine: Opportunities, Barriers and the Way Forward (الطاقة المتجدّدة في فلسطين: الفرص والحواجز والمضي قدماً)، متوفّر عند الطلب (غير منشور).

 

A+
A-
share
أنظر أيضا
17 حزيران 2024 بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024
بقلم جنى بيضون، طالبة في الجامعة الامريكية في بيروت
17 حزيران 2024 بقلم ايليو مبيض، صحافي
17 حزيران 2024
بقلم ايليو مبيض، صحافي
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد