نساء طرابلس

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 آذار 15 3 دقائق للقراءة
نساء طرابلس
© يزن حلواني - «وجه الحروف»
قد يبدو العنوان غريباً، فهل هن في طرابلس غيرهن في مكان آخر؟ ربما... فالمدن كالنساء ونساء طرابلس كمدينتهن، هذه المدينة التي تنام متروكة مفتوحة الذراعين تحت الشمس تنتشي بالضوء، على حساب قضية، وكم أخاف من يوم سيحمل ادّعاءً عريضاً يزعم أصحابه أنهم يقبضون على حركتها، وأنهم يعرفون ما تحتاج إليه ، وما يؤمن لها الحياة، وهم لا يدرون أن مدينة ستتكوّن، وهم في غفلة، خارج هذه المدينة.
في لوحة أسواق طرابلس، رسم محمد عزيزة امرأة ترتدي «الحبرة» وضعها في مركز اللوحة، بوجهٍ لا تفاصيل فيه، وهي لوحة غالية على قلبي، تُرجع إلي ذكريات مرحلة غابرة تلتها حداثة القبعات التي ارتدتها الصبايا منذ بدايات القرن الماضي. أما اليوم، في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، فتعيش نساء طرابلس حياة مدينة الطرف، كمينائهن، حيث استطعن التلاؤم مع البيئة ومجابهة واقع المرأة، وعندما يجثم على صدر المدينة خوف، تراهن يتقوقعن على أنفسهن. لقد تغيّرت مدينة الثورة، والأرض الطيبة التي كانت تؤاخي بين الثورة والحرية، باتت متروكة.
هنادي، إحدى طالباتي، في سرديتي هذه عنها أقدمها نموذجاً لحالة تعمّ كل مناطق المدينة. وهي لم تفاجئني بارتداء الحجاب في موجة ارتفاع أعداد المحجبات في الجامعة اللبنانية بوتيرة مرتفعة وسريعة حيث كنت أدرّس مادة الفلسفة الإسلامية، وبعدما تركت خطيبها الثري، وهجرت منتجعه البحري والشاليه الفاخرة، تزوجت من شاب ملتحٍ كان بدوره من طلابي في قسم الفلسفة. إنها اليوم تتحدث عن نساء القرآن، وعن خولة بنت ثعلبة، وامرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة العزيز، وتقول إن كل معلوماتها تستقيها من مدرسة الدين في حصص تفسير القرآن.
هنادي رفضت فكرة المشاركة في برنامج حواري بين منطقتي «الجبل» و«التبانة» في محاولة لاكتشاف التسامح على الأرض انطلاقاً من تعاليم السماء، كما رفضت المشاركة في الكتابة عن الخطة الوطنية لحماية المرأة، وقالت: «لا عيب في أن تكون المرأة أنثى الرجل»، وبسؤالها عن رفض العنف الواقع على النساء في الأسرة والمؤسسات التعليمية، ورفض الصورة النمطية للمرأة الطرابلسية، أجابتني مشبعةً باليقين بأن أي تساؤل حول أوضاع المرأة لن تفيده خطة وطنية لحمايتها، فذلك من شأن الله وحده.
تتمتع مدرسات الدين باحترام كبير، وتتكون حولهن كتلة نسائية شابة مرصوصة غير واضحة التحوّلات، لها دلالاتها المحيّرة، تنتمي إلى شريحة بورجوازية سلبية النشاط.
جميع المريدات المواظبات على دروس الدين يصبح الجامع عندهن أكثر أهمية من الإسلام، ولست هنا لأطلب منهن العمل على تجديد الثقافة الإسلامية والكفّ عن اجترار الماضي الديني، وأن يأخذ الدين على أيديهن بُعداً يفجّر آفاقاً روحية جديدة، لا بل إنني هنا أتساءل عن وجهة النساء في طرابلس وهن قد أتممن بجدارة، إدارة المياتم والأعمال الخيرية في مدينة تعلمنا فيها القرآن واللغة والحب والشعر، فهل تنكمش الوجوه النسائية الطرابلسية وتنفصل عن الواقع والحياة؟
تتجوّل النساء السافرات بحرية في المدينة، وفي المناسبات يتألقن تألقاً باهراً جنباً إلى جنب المحجبات. وفي المنتجعات البحرية تتمدد الطرابلسيّات بلباس البحر تحت أشعة الشمس حيث تبدو الحياة في هذه الأمكنة حلماً. وفي تمام الساعة الثانية ظهراً، ينادي حارس المنتجع البحري المخصص للنساء، بأنه حان وقت وصول الرجال، فتلبس السابحات عباءاتهن ويسود الشاطئ الرملي هدوء عميق.
في مجتمعي، المنتجعات القائمة على طرف المدينة، خليط الجمال والقبح، أتردد في البوح عن مكنوناته، ولا أستطيع فهمَ سبب انفصام المدينة، ليس تنوعاً ، فهناك كتلة نسائية أخرى، حيث لا مدرسات دين، تقبع في الفقر والتهميش والذل، أراهن في شوارع التبانة والقبّة وضهر المغر، بالعباءة والحجاب، مطلَّقات، معنَّفات، زوجات إسلاميين من نزلاء «المبنى ب» في سجن رومية تلاحقهن وسائل الإعلام. لا حياة هنا، بل فقط الموت قهراً.
ينجم هذا الخوف عن وقوع المدينة في حمأة صراع يفوق قدرتها. سابقاً كنت أرتاد المقهى الجميل قبل إغلاقه، الواقع في أجمل شوارعها، وكان أصحابه يقدمون فيه الكحول، ويقيمون سهرات غنائية، كما كان مقهى أدبياً بامتياز استضاف شعراء وفنانين، يوم لم تكن المدينة قد أصبحت بعد خارج المدينة.
ليس بمقدور السياسيّ القضاء على التخلّف، بل لا بد من تغيير التقاليد، وتأسيس الحياة اقتصادياً ومدنياً وثقافياً.
 
A+
A-
share
آذار 2015
أنظر أيضا
01 آذار 2015
01 آذار 2015
أحدث فيديو
الكشاف ... بناة سلام
SalamWaKalam
الكشاف ... بناة سلام
SalamWaKalam

الكشاف ... بناة سلام

أيار 05, 2022 بقلم مريم فنيش، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
12 أيار 2022 بقلم محمد ناصر
12 أيار 2022
بقلم محمد ناصر
12 أيار 2022 بقلم عبير أبو درغم
12 أيار 2022
بقلم عبير أبو درغم
05 أيار 2022 بقلم نور يزبك، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
05 أيار 2022
بقلم نور يزبك، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد