شعوب متآمرة لا تستحق أن تريد

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 تشرين الأول 15 5 دقائق للقراءة
في الساعات القليلة والدامية التي فصلت بين تحوُّل تحرُّك 22 آب 2015 في بيروت من تحرُّك مطلبي «سياساتي» محدود الأهداف، إلى حراك ذي أبعاد سياسية، إثر استخدام القوى الأمنية القوَّة بوجه المتظاهرين السلميّين، سادت حالة من «الأوفوريا» الجماعية العامة، شملت اللبنانيين والسوريين معاً.
 
كان الظنّ ربما أن بيروت عصيّة على ثقافة القمع التي تسعى إلى تعميمها الأنظمة السلطوية في المنطقة، لنزع أي طابع سلمي عن الاحتجاجات الشعبية، خصوصاً تلك التي انطلقت أوائل عام 2011، ويبدو أن مفاعيلها تجاوزت الإقليم الشرق أوسطي، لتفرض نمطاً جديداً من السياسات، بل والاستراتيجيات العسكرية، على مستوى القوى العالمية.
لقد واجهت الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي الاحتجاجات الشعبية بشتَّى الوسائل العنفيّة، من القمع الأمني الرسمي، إلى استخدام مجموعات «مدنية» مثل «البلطجيَّة» (مصر) و«الشبِّيحة» (سوريا)، وصولاً إلى تدمير البلاد على رؤوس المدنيين، تحديداً في ليبيا وسوريا.
في سوريا، لم يكتفِ نظام الأسد بدفع الثورة إلى العسكَرَة كخيار شبه وحيد، بل سعى ونجح إلى حد بعيد في خلق جماعات تكفيرية تمتهن الإرهاب، ما وضع المنتفضين السلميّين أمام أحد خيارين: إما الخضوع للإرهاب التكفيري وفقدان الأمن، وبالتالي وقف الاحتجاجات، أو استباحة دمائهم تحت عنوان «مكافحة الإرهاب».
في ظل هذه الثنائية (الإرهاب و«داعش» نموذجاً، أو الاستبداد أي النظام الديكتاتوري القائم)، بقيت بيروت، على الرغم من كل الأزمات السياسية والدستورية التي تعصف بالنظام اللبناني، خارج هذه النمطيّة: بقي اللبنانيون يتمتَّعون بحق التظاهر والاحتجاج ليس فقط من دون التعرّض لقمع، بل حتى بحماية القوى الأمنية – بغضّ النظر عن القوى المسيطرة على الحكومة - سواء في وقفاتهم الاحتجاجية لأسباب تتعلّق بشؤونهم الداخلية، أم في تلك الاحتجاجات المشتركة مع سوريين يعيشون في بيروت وبقية المناطق اللبنانية، رفضاً للمجازر التي ترافقت مع الثورة السورية.
كان العالم العربي، ومن ضمنه كثيرون من أبناء الشعب السوري تحديداً، يرون في التغيّير الذي حملته انتفاضة 14 آذار بالظاهر، معاني ربما لم يدركها اللبنانيون أنفسهم يومها.
فبعد قيام الثورة السورية في آذار 2011، والتعامل معها منذ البداية بعنف مفرط وممنهج، كان طبيعياً أن تثير تظاهرات بيروت الحاشدة ابتداء من 22 و29 آب 2015، نوستالجيا السوريين المعارضين المقيمين فيها، سواء أولئك الذين بقوا في لبنان أم الذين كانوا هنا واضطروا للهجرة.
لقد أيقظت تظاهرات بيروت السلمية مرحلة التظاهرات السلميّة للثورة السورية في وجدان شبان وشابات سوريين يقيمون فيها أو اتخذوا منها محطة في رحلة نفيهم عن سورياهم، وأصبحوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي وغليانها السياسي المرتبط في قسم كبير منه بقمع انتفاضتهم الشعبية.
وترافق ذلك مع شعور بالصدمة تجاه سلوك سياسي وامني غير مسبوق في لبنان، في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، خصوصاً القمع الذي مارسته القوى الأمنية اللبنانية بحق المتظاهرين، ثم التوقيف، قبل أن يرافق ذلك مسار سياسي مواز لكنه يصبّ في الاتجاه «القمعي» نفسه حيث اتهم وزراء وقوى سياسية شتى تظاهرات بيروت بأنها «مؤامرة». ووصل الأمر إلى حد صدور بيانات رسمية من أجهزة أمنية تحذّر من اندساس عناصر من «داعش» في التظاهرات، واتهام منظمي الحراك الشعبي بأنهم مرتبطون بمؤامرة تخريبية تقودها «دولة عربية صغيرة».
هكذا أثار الحراك السلمي في بيروت لدى السوريين ردَّيْ فعل: الأول تمثل في نوستالجيا وحسرة وصلتا إلى حد كادوا يحسدون رفاقهم اللبنانيين على «هامش الحرية الواسع» في التخطيط والتنظيم وتنفيذ التظاهرات، لهول ما مورس ضدهم من عنف ممنهج بوجه تظاهراتهم السلمية والتي تحوّلت في حارات قديمة بدمشق والغوطة وغيرها إلى ما يشبه عرس احتفالي بالحرية، فيما وصل القمع إلى حد القتل المباشر خلال تظاهراتهم الأولى في درعا وحمص.
لقد نكأت تظاهرات بيروت جراحاً قديمة، وكاد بعض السوريين يبدي استغرابه من اعتبار اللبنانيين أن «الغاز المسيّل للدموع» و«الهراوات» و«الرصاص المطاطي» و«الرصاص الحيّ» في الهواء والمياه، هي استخدام للعنف من قبل السلطة، وتمنى بعضهم لو أتيح لهم تنظيم تظاهرة سلميّة ولو لساعة. وفي هذا السياق يقول أحد الناشطين: كنا نعدّ العدة أسبوعاً حتى نفوز بتظاهرة سلميّة لأقل من دقيقة وقبل وصول الأمن، ولو كان هذا هو القمع الذي واجهنا به النظام لأسقطنا 4 أنظمة في سوريا».
أما ردّ الفعل الثاني، فأتى مستنكراً وخائفاً في آن بعد اتهام الحراك اللبناني بأنه «مؤامرة خارجية»، ومموّل من «دولة عربية صغيرة». وشعروا أنه حتى بيروت لا يحق لها أن تقدّم نموذجاً عن مجتمع مدني وسلمي يمكن التعويل عليه للتغيّير بعيداً عن الصورة النمطيّة التي نجحت الأنظمة في تسويقها غربياً، ومفادها أن كل احتجاج هو «مؤامرة» أو سيؤدي إلى حكم «داعش» للمنطقة.
إحتاج السوريون في الوقت العصيب والمفصلي الذي تمر به ثورتهم إلى دليل إضافي يشهرونه في وجه العالم بأن الثورة ممكنة، والمطالبة بالحرية حق يؤدي إلى الديموقراطية لا الى المعتقلات والقبور. لا بل أرادوا أن يكون حراك بيروت جرساً يهزّون به وعي مواطنيهم في سوريا والعالم العربي الذين نجحت الأنظمة السلطوية في إقناع قطاعات كبيرة منهم بالكفّ عن المطالبة بالتغيير لأنهم شعوب لا تستحق الحرية.
فوسط كل النكسات، وفي وقت بات فيه تعبير ثورة مرادفاً لكل خراب، جاءت تظاهرات بيروت لتدحض كل نظريات المؤامرة التي ألصقها نظام دمشق وحلفاؤه الإقليميّون والدوليّون بكل حراك سلمي، فكيف يمكن للمعارضين السوريين عندها أن يمنعوا حماستهم لتقديم «النصائح» همساً للبنانيين حرصاً على عدم وقوع «ثورتهم» بما وقعت به ثورة السوريين؟.
ولعل هذه الوقفة القصيرة لبيروت مع التحركات الشعبية الحقيقية تذكّرنا بأن المطلب في هذا الجزء البائس من العالم أعداؤه من صنّاع القرار، والمنظّرون للمؤامرة من ساديين ومشيطنين لأي تحرك حاضرون «ناضرون» في كل لحظة، يبحثون عميقاً في تاريخ وجوه التحركات عن «وصمة عار» متخيلة، ومن «سينيكيين» أخسرتهم الخيبات القدرة على الإيمان باللحظات الحقيقيّة والعفويّة وغير المؤامراتيّة وغير المنظمة.
إنه انتصار واحد مهّد لكل انتصارات أنظمتنا على وجعنا، هو: إقناعنا أفراداً وجماعات بأننا شعوب لا تستحق أن تريد.
A+
A-
share
تشرين الأول 2015
أنظر أيضا
07 أيار 2020 بقلم جنى الدهيبي، صحافية لبنانية تعمل في جريدة المدن الإلكترونية وتتعاون مع عدد من المنصات العربية
07 أيار 2020
بقلم جنى الدهيبي، صحافية لبنانية تعمل في جريدة المدن الإلكترونية وتتعاون مع عدد من المنصات العربية
07 أيار 2020 بقلم ريم جودي، باحثة
07 أيار 2020
بقلم ريم جودي، باحثة
07 أيار 2020 بقلم أنطوان عطالله، مهندس معماري وعمراني
07 أيار 2020
بقلم أنطوان عطالله، مهندس معماري وعمراني
أحدث فيديو
تحميل المزيد