موت أطفال سوريين، لا يعرفون سورية

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 تشرين الأول 15 4 دقائق للقراءة
موت أطفال سوريين، لا يعرفون سورية
الأم أقوى من الموت. وحدها تستطيع أن تؤجّله. وحدها تستطيع أن تبقيه بعيداً عن أولادها.
لا يفهم أحد العلاقة بين الأم والموت، وكأنها على اتفاق معه. كلما جاء ليخطف أحد أولادها، تتحايل عليه، وتؤجله إلى حين. وعندما تفرغ حيلها، تقول له خذني بدلاً منه، خذني قبله. لا علاقة للأمر بالسير الطبيعي للحياة. لم يقل أحد إن الأمهات، كونهن أكبر سناً من أبنائهن، يجب أن يمُتْنَ قبلهم. إنما هو الاتفاق الذي عقَدْنَه جميعاً مع الموت منذ الأزل. إتفاقٌ مختصر «خذني قبلهم». وأي استثناء هو خيانة من الموت لهذا الاتفاق الأزلي.
والموت خان هاجر هذه المرّة.
تجلس في خيمتها الجديدة، بعدما احترقت الخيمة القديمة جرّاء الحريق الذي شبّ في مخيم «الجراحية» للنازحين السوريين في بلدة المرج البقاعية، في حزيران الماضي. قضى الحريق على نحو 85 خيمة وعيادة طبية مجهزة. خسر النازحون خيمهم، مقتنياتهم وأوراقهم الرسمية كلّها. وخسرت هاجر خيمتها، مقتنيانها، أوراقها الرسمية و«حمودي».
تناولت هاجر الغداء باكراً في ذلك اليوم مع زوجها وطفلها محمد (سنتان وثلاثة أشهر). تغنّج حمودي زيادة على والده الذي صوّره كثيراً على هاتفه الخليوي، وأكل من يديه. نادى هاجر «ماما» كثيراً. لم يبخل عليها بالكلمة التي تحبّها، والتي تعلّمها هو أخيراً. لم تحتج إلى أن ترجوه حتى يقول «ماما»، أو تغريه بلوحٍ من الشوكولا كالعادة. ناداها من تلقاء نفسه كأنّه يعوضها عن الأيام الكثيرة المقبلة التي لن يناديها فيها.
بعد الغداء، توجه الزوج إلى سوق الإثنين الشعبي في البلدة. لعب حمودي بسيارته الصغيرة الحمراء، وقصد السطح مع أمه. لقد اعتاد كل يوم أن يشدّها من عباءتها، فتعرف أنه يريد الصعود إلى السطح. هناك، يحمل حفنة من الحصى ويرميها على أعشاش الحمام، قبل أن يناديها: «تعي تعي»، ثم يعود إلى خيمته من جديد.
تحاول هاجر أن تنام في فترة ما قبل الظهر، مستغلة وجود طفليها الآخرين في المدرسة. ولكن محمد لا ينام، ولا يسمح لها بأن تنام. في ذلك اليوم، طاوعها للمرة الأولی. نام ونامت هي على فرشة الإسفنج المقابلة. النوم تمرين على الغياب أصلاً، هي «نومة الموت»، كما تسميها هاجر. نام محمد ولم يستيقظ مجدداً.
بعد حوالي نصف ساعة، ذهبت هاجر إلى بيت الجيران. مرّت دقائق قليلة قبل أن تخرج هي وجارتها، وتشاهد خيمتها تحترق بالكامل، والنار تمتد إلى الخيم الأخرى المجاورة.
المرأة في الخارج لا تستوعب ماذا يجري. تصل النيران إلى الخيم الأخرى، وينتشر الذعر بين الناس الذين يحاولون لجمها من دون جدوى، خصوصاً أنّ جهاز الدفاع المدني أرسل آليات إطفائه إلى المخيم بعد أكثر من ساعتين على نشوب الحريق. والمرأة تنظر، تبكي، وتصرخ: «أنا قتلته».
الآن أيضاً، تبكي هاجر، وتقول لي «أنا قتلته، لا أعرف كيف ضرب اللّه علی رأسي، ونسيت ابني». هي تتناول مهدئات الأعصاب منذ ذاك اليوم، وتحاول أن تقنع زوجها والجيران بأنها لم تقتل ابنها، ولكن من دون جدوى. عَتَب الجميع عليها، وهي تعتب على اللّه وعلى نفسها. لا تستطيع منع نفسها من البكاء، ومعاتبة اللّه. اللّه الذي أرسل لهم نيرانه من حيث لا يعلمون، وأخذ حمودي وحده ولم يأخذ أحداً من أولاد الجيران، وتسأله كيف يمكن أن يعوضها عن «العِشرة والتربية والبطن». لا أحد ولا شيء يعوّضها. أما إبراهيم وفاطمة، فيفتقدان أخاهما الصغير، وتراه الأخيرة دائماً في أحلامها. في حلمها الأخير، حلق حمودي شعره، دار على الخيم كلّها، وتعلّم أن ينطق اسمها.
لم ترَ هاجر جسد طفلها بعدما احترق، فقد دفنه زوجها وأهلها في بلدة قريبة. أمضت أسبوعين في بلدة بر الياس البقاعية عند أهلها بعد الحادثة، وعندما عادت، دارت على خيم الجيران الذين اخترع كل واحد منهم قصة مختلفة عن احتراق محمد وموته. تستمع إلى قصصهم، ثم تسألهم عنها من جديد، وفي بالها سؤال واحد فقط: «هل تعذّب حمودي قبل أن يموت؟». لا تسأل اللّه شيئاً الآن إلّا أن يكون قد أخذ ابنها منها من دون عذاب لعل شعورها بالذنب يخفّ.
تمرّ الأوقات ثقيلة على هاجر، ووقت النوم أثقلها. لم يعد محمد يمنعها من النوم، لكنها لا تنام. تقصد قبره أسبوعياً مؤمنة بأنّ زيارة الميّت تريحه.
لقد فقدت أغراض حمودي كلّها في الحريق، ولم يبقَ لها سوى صوره على هاتف والده، وصوته في مخيلتها يقول «ماما».
لن تنسى هاجر طفلها، ولن تتعوّد على غيابه. والحزن؟ لن يختفي أبداً، إذ إن الحزن ينفد عندما ينفد الحب فقط. أما بالنسبة إلينا، نحن الذين نطالع هذه الأخبار يومياً، فسيبقى محمد طفلاً آخر مجهول الهوية انضمّ إلى قائمة الأطفال الذين ماتوا برداً أو مرضاً أو حرقاً في مخيمات النزوح منذ بدء الثورة السورية حتى الآن. ولاحقاً، عندما سينال السوريون حريتهم، ويعودون إلى بلادهم، سيتركون وراءهم أطفالاً لهم، وُلدوا في لبنان، ودُفنوا فيه.
A+
A-
share
تشرين الأول 2015
أحدث فيديو
الكشاف ... بناة سلام
SalamWaKalam
الكشاف ... بناة سلام
SalamWaKalam

الكشاف ... بناة سلام

أيار 05, 2022 بقلم مريم فنيش، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
23 أيار 2022 بقلم فادي قمير، المدير العام السابق للموارد المائيّة والكهربائيّة
23 أيار 2022
بقلم فادي قمير، المدير العام السابق للموارد المائيّة والكهربائيّة
23 أيار 2022 بقلم شربل عفيف، أستاذ في جامعة القديس يوسف لبنان
23 أيار 2022
بقلم شربل عفيف، أستاذ في جامعة القديس يوسف لبنان
12 أيار 2022 بقلم محمد ناصر
12 أيار 2022
بقلم محمد ناصر
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد