فتحيّة الخيّاطة... قصة نازحة سورية تقود عائلة

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 تشرين الأول 15 3 دقائق للقراءة
فتحيّة الخيّاطة... قصة نازحة سورية تقود عائلة
© محمد زعتري
من رحم مأساة النزوح السوري وقساوته، تفوقت اللاجئة السورية فتحية حسين الدياب على ذاتها الضائعة. وهناك في خيمة نزوحها في لبنان، تدبرت أمرها، وتعلمت مهنة الخياطة التي أعانتها على الصمود ومواجهة شظف العيش ومتطلباته، بعدما أقعد المرض زوجها، وآلت إليها مسؤولية إعالة أسرتها المكونة من خمسة أفراد.
«لولا المساعدة التي قدمتها لي جمعيات خيرية وإنسانية لبنانية، ومنظمات أمميّة، لكنت وأسرتي قد متنا جوعاً وفقراً وقهراً». هذه العبارات ترددها فتحية البالغة من العمر 45 عاماً، كلازمة للتدليل على أهمية التضامن الانساني في مجتمع أممي لم يتجرّد بعد - حسب قولها - من إنسانيته رغم كل ما يشاع ويقال عنه في هذا الصدد.
هناك، داخل خيمة نزوحها في براري منطقة الوزاني الحدودية الجنوبية، تروي هذه المرأة قصتها: «قبل عامين، هربت وعائلتي من محافظة الرقة بسوريا حيث الموت والقتل الناتج من قصف الطائرات، ومن ظلم «داعش» وغيره من الفصائل المسلحة، وقد أصيب زوجي بجلطة دماغية جعلته طريح الفراش، رغم أنه استعاد النطق والذاكرة. وعندما وصلنا إلى نقطة المصنع استقبلتنا منظمة إنسانية لبنانية، بينما تولت هيئات أممية نقلنا إلى مخيم الوزاني للاجئين السوريين».
النسوة السوريات يعملن في الفلاحة والزراعة، وهي مهنة ليس باستطاعة فتحية ممارستها نظراً الى صابتها بمرض الربو، بينما عمل أولادها في الزراعة كمياومين. إلاّ أن عزة نفسها وكبرياءها لا يسمحان لها بمدّ يدها للغير على الرغم من تأكيدها أن «منظمات المجتمع الدولي وكذلك أبناء القرى اللبنانية المجاورة لم يقصّروا يوماً في احتضاننا وتأمين مستلزمات الحياة لنا، وهم دوماً يشعروننا بأننا منهم».
شاركت فتحية بدورة نظّمتها إحدى الجمعيات اللبنانية لتعليم نسوة لبنانيات وسوريات مهنة الخياطة والتطريز. بسرعة التقطت أصول المهنة وقطبها المخفية، وبسرعة أيضاً ترجمت ما تعلمته فاشترت ماكينة خياطة بعدما استدانت مبلغ مئتي ألف ليرة لبنانية، وباشرت عملها لسد حاجات أسرتها، وحتى لا تشعر زوجها المريض بأية إهانة أو حرج.
ورغم أن أزمة اللاجئين السوريين تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم إلاّ أن المنظمات الأممية ومنظمات المجتمع الأهلي اللبناني تحاول التفوق على المصاعب التي تواجه عملها، وتقوم بدورها الانساني في خدمة هؤلاء. وبينما نحن في زيارة فتحية، شاهدنا مندوبين لمنظمة إنسانية لبنانية يقومون بإجراء معاينة طبية لنازحي المخيم.
خلف ماكينة الخياطة الخاصة بها داخل الخيمة التي باتت أشبه بصالة عرض لفساتين، راحت هذه النازحة تحيك أثواباً هي عبارة عن «تنانير» للمزارعات اللبنانيات والسوريات اللواتي يعملن في زراعة التبغ والفواكه. وعلى وقع «درزات» ماكينتها، تغني مواويل العتابا والميجانا لسلام يبقى مرتجاها ومرتجى معظم النازحين السوريين، وتحاول إخفاء دموعها، فتنتقل مجدداً للحديث عن مهنتها المستحدثة، «العديد من بنات العشائر يعملن في الزراعة، وعلى الفتاة أن تخفي جميع مفاتنها، يأتينني بالقماش الملون، وأقوم بتفصيل ثوب (تنورة طويلة من البطن حتى أخمص القدم، أو فستان طويل لعدم كشف جزء من جسد البنت أثناء قيامها بعملها)».
تتقاضى فتحية مبلغ خمسة آلاف ليرة لبنانية عن الفستان. ويأخذ الضحك منها مأخذاً وهي تقول: «الخيار الزامي إذ ليس بوسع الفتاة أن تختار ما ترغب من الموضة، وعليها القبول بالموضة التي أقدمها لها، فالموديل واحد والقصة واحدة، فقط يختلف اللون وأحياناً تلبس مجموعة من الفتيات فساتين باللون نفسه». وهي تعمل 10 ساعات في اليوم لتنتج ثلاثة فساتين، وتجني في النهار عشرة دولارات وأحياناً خمسة إذ إن الكثيرات يأتين لتصليح الملابس (تنورة أو فستان أو بنطال).
هل تودين أن تخيطي ثياباً رجالية؟ نسأل فتحية فتجيبنا بسرعة: «متل ما بيقول المتل العامي، خيّطوا بغير هالمسلة».
أما الرفض القاطع لديها فهو لمدّ يدها لأحد، وعن ذلك تقول: «زوجي كان مثل الحصان يعمل من دون كلل أو ملل، لكن إرادة الله أقعدته، وأنا تسلمت قيادة العائلة، فعملي مع عمل إبني وابنتي نجمعه ونأكل به، ونقوم بتسديد المبلغ الذي استدنّاه لشراء ماكينة الخياطة».
ألم النزوح وقساوته لا يعبثان بأحلام فتحيّة في أن تصبح خيّاطة ماهرة، لأن ذلك يدر عليها بعض الأرباح، لكنها تعلّق ضاحكة: «بالطبع لن تأتي إلي فنانات ولا سيدات شهيرات، لكن الاتكال على النفس أمر مهم».
A+
A-
share
تشرين الأول 2015
أحدث فيديو
تحميل المزيد