جبل محسن بين مطرقة الموت وسندان الحرمان

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 آذار 15 4 دقائق للقراءة
جبل محسن بين مطرقة الموت وسندان الحرمان
© أنور عمرو
في الأصل، لا يمكن فصل منطقة جبل محسن عن منطقة باب التبانة، فهما كيان واحد في سجلات الدولة، وساحة واحدة في حسابات المعارك التي تدور في رحاها ثمناً لأجندات سياسية محلية ودولية. وصحيح أن الحرب تنسحب لكنها تخط على طريق العودة أحرفاً من نار ودمار ودماء على أعتاب بيوت الأبرياء والفقراء، وهي أمور قلّما تهم قادة المعارك وتجار البشر والهيكل.
عند لفظ اسم «جبل محسن» تنتصر في حرب الأفكار والمواقف، صورة لبشار الأسد عند مدخله، ومذهب علويّ موسوم على سجل القيد، وربما ذكريات حرب استنزفت المئات منذ حرب عام 1975 إلى يومنا هذا، والعديد من المواقف المسبقة التي تختلف بين شخص وآخر بحسب انتماءاته السياسية ومواقفه العامة، ليبقى الغائب الأوحد عن الأذهان، في زحمة التنظيرات والإجتهادات، أنّ في «الجبل» بشراً من لحم ودم، وهم بحاجة إلى من يمنحهم السلام ويؤمن لهم الرعاية اللازمة ليتمسكوا بالحياة.
ولمن لا يعرفون «جبل محسن»، إليكم قصة يرويها مختار المحلة يوسف حوري عن تاجر كبير من الطائفة السنّية كان يملك أراضي زيتون تقع على تلة هي «الجبل» اليوم، ولمّا وقعت الحرب الاهلية انقسمت المناطق وتجمعت الطوائف في كانتونات، فاستقر أبناء الطائفة العلوية في الجبل، فيما انتقل صاحب الأرض الى قلب المدينة تاركاً اسمه خلفه.
ويقول حوري: «كنّا عائلة واحدة، ولم نكن نعرف لغة سنّي - علوي بدليل أن والدة الدكتور مصطفى علوش علوية، كذلك جدة سعد المصري أحد أبرز المقاتلين، لوالدته، كما أنه حتى اليوم لا تزال المنطقة تضم أناساً من الطوائف كافة».
حارة الجديدة، كواع القبّة، شارع المهاجرين، حارة السيدة، حي الأميركان، هي أسماء لحارات لا يسمع عنها الناس إلاّ إذا سقط قتيل في إحدى المعارك، ولكن لا أحد يبالي بالدخول في دهاليزها، والتعرف على ما هو أفظع من سقوط الضحايا. فمن يمشي في أزقة هذه الحارات يشعر للوهلة الأولى بأنه يواجه وحشة القبور، أما سكانها فتصح بهم مقولة «لاجئين في بلادي»: جدران مزعزعة، وأبواب مصدّعة لا يدخل إليها النور، وفرش مرفوعة على حجارة من الباطون لأن أصحابها يعجزون عن دفع ثمن سرير. وعن ذلك يقول حوري: «إن الشريحة الكبرى من الناس هم تحت مستوى خط الفقر، ولا وظائف متاحة للعلوي، ولا مناصب رفيعة في الدولة، وقد حصلنا على مقعدين للنيابة ولم يكن لنا فضل بمجيء نائبينا، وأنا أشك بأنّ نوابنا الحاليين يعرفون المنطقة أو يبالون بأمرها. لذا فإن الحل الوحيد امام معظم العائلات هو دخول أبنائها إلى الجيش حتى يعيلوا أسرهم».
والحديث عن الوضع الإقتصادي للمنطقة يفرض حكماً معادلة آثار الحروب المتكررة على الوضع المعيشي لأبنائها. فقد تعرض زوج نادين (اسم مستعار) للقنص في إحدى المعارك، فأصيب بشلل انعكس مأساة على حياة أسرته. أولاده تركوا حلمهم بمتابعة الدراسة، أما المنزل الذي يؤويهم فحصلوا عليه بقرض يعجزون عن سداد كمبيالاته المكدّسة. واليوم، هم عرضة لخسارته، فيما الصراع الأكبر يكمن في تأمين معيشة رجل مريض وخمسة أبناء بمدخول لا يتعدى المليون ليرة شهرياً.
أما رنين، فكانت تخطط لإنهاء دراستها الجامعية، ولكن حين تعرضت للضرب في الجامعة لأنها علوية منعها والدها من الذهاب إلى هناك خوفاً عليها، ثم قُتل للسبب نفسه فأصبحت هي المعيلة لأسرتها.
وأمام هول النكبات والعوز، قام عدد من الأهالي بلمّ التبرعات للمحتاجين، كما شكلوا جمعية «بيت الحكمة» التي تقدم، بمساعدة الصليب الأحمر الدولي، وجبات يومية وملابس لنحو 200 عائلة بعد درس أوضاعها الإجتماعية. وعن ذلك يقول المشرف على الجمعية نور عيد: «أرسلنا إلى أحد الأشخاص وجبة «صيّادية» فلم يعرف ما هي، والامثلة عن حالات البؤس لا تعد ولا تحصى». ويتابع: «المؤسف أن عمل الجمعية مهدد لأن المساعدات المادية التي جاءت بسبب المعارك محدودة وضمن فترة زمنية محددة، وبالتالي فإن أمعاء شريحة واسعة من الناس ستعود إلى خوائها، ويبقى الأمل في من يمدّ يد العون إليهم من منظمات دولية أو محسنين».
الغضب والرغبة بالثورة شعوران رافقا يوسف شتوي طيلة حياته، فهو يرى مأساة الناس وأوجاعهم، ولا يلحظ بشائر لحلها. وعن ذلك يقول: «يجب على الدولة أن تقوم بعمليات إحصاء لحجم الحرمان، ولا تعتبر أن الجبل هو من مسؤولية نواب طائفة معينة، فنحن لبنانيون أباًّ عن جد (ويسوانا ما يسوى غيرنا)».
إذاً، الحرمان تعبير كتب تاريخ جبل محسن، وفي بلد تتقاسم دولته الطوائف كقطعة من الجبن بقي هو خارج المعادلة، بل مجرّد أداة لتصفية خلافاتها، فمن أراد الخلاص لجأ إلى تغيير مذهبه، أما من تشبّث بهويته وانتمائه فقد شيّد منزله على قبضة موت لا يدري متى يُطبق على أنفاسه!
A+
A-
share
آذار 2015
أنظر أيضا
01 آذار 2015
01 آذار 2015
أحدث فيديو
الكشاف ... بناة سلام
SalamWaKalam
الكشاف ... بناة سلام
SalamWaKalam

الكشاف ... بناة سلام

أيار 05, 2022 بقلم مريم فنيش، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
23 أيار 2022 بقلم فادي قمير، المدير العام السابق للموارد المائيّة والكهربائيّة
23 أيار 2022
بقلم فادي قمير، المدير العام السابق للموارد المائيّة والكهربائيّة
23 أيار 2022 بقلم شربل عفيف، أستاذ في جامعة القديس يوسف لبنان
23 أيار 2022
بقلم شربل عفيف، أستاذ في جامعة القديس يوسف لبنان
12 أيار 2022 بقلم محمد ناصر
12 أيار 2022
بقلم محمد ناصر
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد