الطبيعة رسالة سلامٍ وتعايش: هكذا يتلاقى الأفراد على حبّها!

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 05 أيار 22 بقلم نور يزبك، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام 8 دقائق للقراءة
الطبيعة رسالة سلامٍ وتعايش: هكذا يتلاقى الأفراد على حبّها!
عدرا قنديل
حُبٌّ لوجه الحبّ! ثلاث كلماتٍ كافية لتوثيق أسمى المعاني التي لمسناها، نحن البشر، من أمّنا الطبيعة. أوليست الأمومة شعوراً؟ إذًا، فلنتفق بدايةً على فصيح العبارة: هي أمنا الطبيعة! فإن سلّمنا جدلًا برواية الخلق في الكتب السماوية، وبأنّ أبوينا آدم وحواء لم يُخلقا نتيجة التفاعل البيولوجي البديهي، فمن الجحود أن ننكر روح الأمومة التي كانت تعبق بالطبيعة منذ بداية خلقهما: فقد كانت أوّل حضنٍ حواهما، وأوّل ملجئٍ آواهما، وأوّل أمانٍ لاذا بدفئه بعد أوّل خطيئة، كشيءٍ أشبه بالعناق، كما أوّل عناق. وفي اللغة العربية نقول عن كل ما بقي على قياسٍ مستقرّ أنّه "طبيعي" أي ننسبه إلى الطبيعة، وكأن فيها الأصل من كلّ شيء والخير في كلّ شيء. فما بالكم إن بادلناها الخير والعطاء؟ هذا ما يعبّر عن المنفعة المتبادلة من النشاطات البيئيّة التي تساهم في تلاقي الأفراد وخلق جوٍّ مفعمٍ بالإلفة والود بينهم.

ما فرقته الحروب جمعته الطبيعة!

في عالمنا المادي الذي يعبق بالشرور، لا عجب في أن تكون الطبيعة هي الوسيط والملتقى. إنها اليوم خير وسيطٍ بين أطرافٍ متحاربة فرّقتها السياسة فتلاقت على حبّ الطبيعة. ولبناننا المثقل تاريخيًّا بالحروب والويلات، أنصفته الجغرافيا بطقسٍ فريد وبطبيعة خلّابة. فكانت هذه الطبيعة هي الحضن الحنون للمرهقين من ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية، وملهمتهم في السير على درب السلام، فأطلقوا جمعية لهذه الغاية تحت عنوان "محاربون من أجل السلام". تأسست هذه الجمعية عام 2014 على أيدي محاربين سابقين في الحرب الأهلية اللبنانية، وهم ينتمون الى مختلف الأطراف السياسية المتنازعة في الحرب. وجد هؤلاء أنّ لا خلاص بالعنف فتبنّوا شعار "العنف ليس حلًا" وجعلوه هدفًا للجمعية. ولبلوغ الهدف، يعقد المحاربون جلسات مصارحة ومصالحة بين أطرافٍ متنازعة من زمن الحرب، محاولين مدّ جسور وثيقة للسلام. ولا شكّ في أنّ الطبيعة هي المكان الأنسب لتفريغ الطاقة السلبية وجوّ المشاحنات الذي يحاوط جلسات كهذه. يؤكد أحد الأعضاء المؤسسين للجمعية بدري أبو دياب، أنّ أنجح التجارب الحوارية المعتمدة جرت بين أحضان الطبيعة. يستذكر أبو دياب إحدى المسيرات الممتعة التي نفّذها المنتسبون في الطبيعة العام الماضي، والتي جمعت ما بين الشباب من الجيل الجديد ومحاربين سابقين. لقد أخذت هذه المسيرة طابعًا إستطلاعيًا للمواقع العسكرية، حيث كانت الطبيعة معقلًا للنقاط العسكرية في ذلك الزمن، بينما لا تزال الدشم والتجهيزات الحربية تعبّر عن واقع الحرب. يصف أبو دياب هذا اللقاء باللقاء التحاوري الناجح، إذ جمع بين شباب ينتمون الى أطراف سياسية متحاربة وأطلعهم على الأهمية التاريخيّة للمكان. عن أثر المسيرة فيه، يقول أبو دياب: "أنا أعرف هذه المنطقة في الحالتين، أولًا كمسؤولٍ عسكريٍ يزورها لاختيار المواقع العسكرية، وثانيًا كمحارب من أجل السلام يلجأ إليها لعقد حوار ودّي مثمر". ويضيف: "من الخطأ أن نقول إنّ التاريخ يعيد نفسه، فأنا المقاتل السابق الذي يرى اليوم هذه المنطقة بعين الجمال بعد أن كانت بالنسبة إليه نقطة عسكرية شهدت على أهوالٍ ومآسٍ". من منظور عام، يرى أبو دياب أنّ طبيعة لبنان الجغرافية أجبرت الأطراف المتنازعة على التعامل مع بعضها البعض، إن كان اقتصاديًا أو تجاريًا أو سياحيًا، ما ساهم في الإطاحة بمصطلحات التفرقة التي اعتُمدت سابقًا مثل شرقية وغربية، وغيرها من مصطلحات.

بالاضافة الى ذلك، يسعى الشباب المنتسبون إلى تحويل بعض المناطق التي كانت تشكّل خطوط تماس، إلى غابات حرجية تعويضًا عن ما شوّهته الحرب في الطبيعة. والجدير بالذكر أنّ الجمعية تتعاون مع جهات عديدة لتوسّع أكثر نطاق تأثيرها، كالمدارس والجامعات، وذلك بهدف التوجه إلى الجيل الجديد وتوعيته على أهمية السلام ونبذ العنف. كما تتعاون الجمعية مع جهات محلية، وأيضًا مع جهات دولية داعمة للإستفادة من الخبرات في هذا المجال وخلق نواة شبابيّة محاربة من أجل السلام. فالطبيعة لا تجمع الأشرار، إنما الأخيار دومًا.

 

طبيعة كفرمتّى تحتضن أبناءها  

للنشاطات البيئيّة والرياضيّة أيضًا إنعكاسات إيجابية على العلاقات، فهي من شأنها أن تعزّز فرص التلاقي بين أفرادٍ من بيئاتٍ متناحرة. لقد حملت منطقة كفرمتى وزر مآسٍ ومجازر في زمن الحرب الأهلية اللبنانية، لكن الفئات الشبابيّة أبت إلّا أن تطوي الصفحة السوداوية الدموية من تلك الحقبة لتعيد الحياة الى ربوع المنطقة بمؤازرة الطبيعة. وخير مثال ما تفعله اليوم جمعية "إنماء كفرمتى الخيرية" من خلال نشاطاتها البيئيّة والرياضيّة الهادفة. وفي حديثٍ مع الناشطة في الجمعية لارا الديب، شرحت لنا عن فحوى هذه النشاطات وأهميتها، إذ تنفذ الجمعية عادةً مبادرات المشي في الجبال Hiking وركوب الدراجة Biking  والمشي في أحضان الطبيعة وغيرها من النشاطات الترفيهيّة القيّمة. على ضوء ذلك، تستقطب هذه النشاطات ما يزيد عن مائة شخص أسبوعياً، جامعةً أهالي البلدة على اختلاف فئاتهم العمرية وخلفياتهم الدينيّة. والجدير بالذكر أنّ هذه النشاطات تأخذ أحيانًا طابعًا وطنيًّا، عبر مشاركة النوادي الرياضية والأفراد من مختلف المناطق اللبنانية في معزل عن أيّ اعتبار لما قد فرقته سابقًا النزاعات المناطقيّة والطائفيّة بين أبناء الوطن الواحد. بالإضافة الى ما ذُكر، تنظّم الجمعية مسارات لزيارة المواقع التراثيّة ومعالم البلدة الأثريّة وتقيم ورشاً تدريبيّة متخصّصة في الزراعة والتشجير ومعالجة النفايات، وغيرها من المشاريع البيئيّة بالتعاون مع جهات محليّة ودوليّة. هذه النشاطات، جميعها، من شأنها أن تنمّي لدى جيل الشباب حسّ الإنتماء لجذورهم القروية وتعزز تشبّثهم بأرضهم، مشكلّةً لديهم الوعي الكافي حول أهمية الحفاظ على البيئة والفوائد الصحيّة والنفسيّة للتنعم بالطبيعة وخيراتها. وفي هذا السياق، نوّهت الديب بالإقبال الجدّي للشباب على هذه النشاطات، وميلهم الفعّال لزراعة الأرض واستكشاف الطبيعة. تشكّل هذه النشاطات اليوم بيئة حاضنة لهؤلاء الشباب على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم في أجواءٍ مفعمة بالألفة والسلام، ما يتيح لهم إمكانيّة الإندماج الإجتماعي السليم على قاعدة التعاون والوئام والمحبة.  

 

تنظيف الشاطئ لم يعد مملًا!

على مرّ الأزمان، كانت الطبيعة هي الأنيس الأوّل للروح. فكلما تخبّط المرء في محيطه المادّي نراه يعود تلقائيًا إلى ربوعها، يستعيد بتأملها سكينته وتوقظ فيه إلهامًا مكبوتًا. هذه الحالة الشاعرية لا تزال تتملّك محبّي الطبيعة الذين يرون فيها خير صاحبٍ وجليس، ويستمدّون منها طاقتهم لمواصلة الطريق. تجربة نبيل عوّاد هي مثالٌ رصين عن العلاقة الودّية بين الإنسان والطبيعة. فبعد أن أمضى عوّاد ريعان شبابه في الغربة، وأفقده المرض الخبيث إحدى رئتيه، عاد الى لبنان ليتحضن عُباب البحر برئته المتبقية. وأمام شغفه، حذّروه من أن يخسر الرئة الوحيدة بسبب تلوّث المياه، لكنه تحدّى وقرّر أن ينظّف الشاطئ ليسبح. منذ ثلاث سنوات، أسّس عوّاد وليزا صوفيان جمعية Swim initiative وأقاما حملة بيئيّة واسعة تحت شعار "بحرك إلك"، الهدف منها تنظيف الشاطئ اللبناني على طول الساحل، ثمّ تمضية وقت ممتع مع المشاركين بعد تنفيذ المهمة. بدأت هذه الحملة في العام الماضي من الناقورة في 21 آب الفائت، وانتهت في طرابلس في 3 أيلول مرورًا بـ14 شاطئاً. ما يميّز هذا التجمّع هو التعدّد الطائفي والمناطقي وحتى التعدّد الاختصاصي الذي يخدم هدف الحملة. فمن بين المشاركين اختصاصيّون بيئيّون وغطّاسون محترفون ومؤثّرون فاعلون جمعهم حبّهم للطبيعة والإستكشاف، فتلاقت نيّاتهم الخيّرة في إطارٍ تعاوني وفي جوٍ مفعمٍ بالألفة والمحبة. يقول عوّاد: "بدأنا المهمة بـ40 مشاركاً وانتهينا منها بـ2700 مشارك"، وهذا الرقم ليس من السهل الوصول إليه خلال النشاطات البيئيّة. عدا ذلك، أخبرتنا ليزا عن مشروعٍ كبير سيبصر النور قريبًا، وهو يجمع ما بين النشاط البيئي والرياضي في عدد من مواقع جغرافية يهتم بتنظيف كل منها فريق من الفرق المتنافسة. هذه المبادرات هي دليل مهم على بداية تغلل الثقافة البيئيّة في المجتمع اللبناني رغم ضآلتها، لكن بالتأكيد ستشهد السنوات المقبلة تعاظمًا كبيرًا لدورها. 

 

المنفذ الآمن من كورونا                                   

كل القطاعات أعيتها الجائحة العالمية، إلّا النشاطات البيئيّة عظُم شأنها وكثر روّادها. فمع الإنتشار الوبائي لفايروس كورونا، فتحت الطبيعة أبوابها لاستقبال الزائرين المتعطّشين لفسحات الأمان في أحضانها. فقد وجد الأفراد، باختلاف أعمارهم، في الطبيعة المتنفّس الآمن والأمثل بعيدًا عن رعب العدوّة الفايروسيّة، وهذا ما أكّدته لنا لارا الديب من خلال تجربة الجمعية. حتّى لقاءات المصارحة والمصالحة مع "محاربون من أجل السلام"، ناسبها أكثر حضن الطبيعة. فوحدها الطبيعة قادرة على امتصاص كل الطاقات السلبيّة لتشحن مكانها جوّاً من الألفةِ والأمان. على الصعيد الشخصي، نقل لنا بدري أبو دياب تجربته الشخصية التي تعبّر عن حال كُثُر من سكّان المدينة، ويقول: "لقد كان الإنتشار الوبائي فرصة لي لأعود إلى بيتي في الجبل، فقضيتُ معظم أوقاتي أتأمّل مخلوقات الخالق وجمال الخلق. وهذا ما أكسبني سلامًا داخليًا ونفض عنّي التوتر والقلق المرهونين بالوضع الوبائي والمعيشي". إنّ عرض هذه التجارب في هذا السياق يؤكد مقولة: "الكورونا غلب العالم لكنّ الطبيعة غلبته". 

 

مصائب الطبيعة تجمعنا

حتّى مصائب الطبيعة كانت مصدر تلاقٍ لا تفرقة، هذا ما لمسناه خلال حرائق اللبونة في الناقورة في الصيف الماضي. يخبرنا العنصر في الدفاع المدني علي ملحم عن الجهود البشريّة الجبّارة التي حُشدت لإخماد النيران. فقد تهافت الشبّان من مختلف المناطق للمؤازرة، ولم يتلكّأ رؤساء البلديات المحيطة في عرض خدماتهم وتقديم يد العون في هذه المحنة. كما أنّ الجهات الدولية الموجودة في المنطقة كانت من أوّل المساعدين، إذ تمتلك قوّات "اليونيفيل" تجهيزات حديثة وفرق متخصصة في إخماد حرائق الغابات. عملية الإطفاء هذه استمرت لساعاتٍ طوال، واستطاعت أخيرًا، بفضل كل الجهود، كبح ألسنة النار التي التهمت أكثر من 40 دونماً من أشجارالسنديان. بناءً على ذلك، كان لا بدّ من إعادة تشجير ما حُرق. وبالفعل، أعيد غرس أشجار السنديان في منطقة اللبونة بالتعاون المثمر بين المجتمع المحلي والجهات الدولية المموّلة. كل هذا نضعه في إطار "تلبية نداء الطبيعة"، فهي إن نادت، يتهافت المحبّون لتلبية نداءاتها.

ختامًا، لا مجال للشرّ في قاموس الطبيعة، إذ يلتقي البشر على حبّها رغم كلّ خلافاتهم. الأهم من ذلك أنها ليست وسيطًا في العلاقات البشرية فحسب، إنّما صورة الخالق على الأرض وصِلتنا به أيضًا. ولو أتيناها فرادى أم مجموعات، في السلم جئناها أم في الحرب، تكون الحضن الدافئ الذي يحتوينا. إذًا، فلنؤكّد على اتفاقنا الأوّل: هي أمّنا الطبيعة، أمٌّ حنونٌ لا تعطي إلّا الخير الكثير ولا تشترط على أبنائها أيّ حصاد!.

 

 

 

 

A+
A-
share
أنظر أيضا
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
08 نيسان 2024 بقلم رهف أبو حسّان، صحافية
08 نيسان 2024
بقلم رهف أبو حسّان، صحافية
07 نيسان 2024 بقلم ربى الزهوري، صحافية
07 نيسان 2024
بقلم ربى الزهوري، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد