لبنان الذي يدفعنا إلى الهجرة... بأي ثمن

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 26 تموز 22 بقلم نورهان شرف الدين، صحافية 8 دقائق للقراءة
لبنان الذي يدفعنا إلى الهجرة... بأي ثمن
عدرا قنديل
منذ بدء الأزمة الإقتصادية الخانقة في لبنان قبل سنتين، هرع اللبنانيون إلى تقديم أوراق الهجرة بمساعدة أقاربهم وأصدقائهم في الخارج، مستفيدين من حاجة الدول الأجنبية الى يد عاملة متخصّصة. هذا الواقع الذي أصبح بديهياً، ويُرى كفرصة لتحسين حياة الكثيرين خلال الأزمات التي مرّ فيها لبنان، والفرص التي أتاحتها الظروف في الخارج لاستقطاب هذه اليد العاملة. أصبح الحل في نظر الكثيرين، وأنا لا ألومهم، هو الهجرة. وبالنسبة إلى آخرين، الحل في العودة ولا يجب أن نلومهم أيضاً. وسط هذا التناقض والوضع الإقتصادي المحلّي الخانق وتراجع العلاقات بين الدول المستقطبة للاجئين، هل الهجرة هي الحل؟

التشجيع على الهجرة 

متجذّر في التاريخ اللبناني 

 

بحسب مبادرة بحثيّة أطلقها "مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت"، يمر لبنان منذ العام 2019 في موجة هجرة ثالثة. موجة ثالثة من الهجرة في بلد لم يمر مئة عام على استقلاله هو أمر مثير للقلق، خصوصاً عندما نقرأ أسباب الهجرات وأعداد المهاجرين في كل موجة.

ففي الهجرة الأولى، غادر نحو 330 ألف شخص منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى. أما الهجرة الثانية، فكانت إبّان الحرب الأهلية حيث هاجر نحو 990 ألف شخص. لكن الهجرة اليوم باتت أصعب، حيث يتنافس عدد أكبر من الشعوب على المقاعد المحدودة المتوفرة في صفوف الهجرة. كما ظهرت هرميّة جديدة بالتعامل مع المهاجرين*. 

 

هرميّة الإنتقاء بين اللبنانيين 

والشعوب المضطهدة واضحة  

 

بينما تعصف بلبنان أسوأ أزمة اقتصادية في التاريخ الحديث، تحيط بالبلد كوارث أخرى جعلت من شعوب المنطقة جميعها عرضة لتقديم طلبات هجرة. إزدادت أعداد السوريين في المهجر منذ بدء الحرب الأهلية، وما سبقها من إضطرابات سياسية وانقلابات عسكرية داخل البلد خلال القرن الماضي. وازدادت أعداد المهاجرين في الدول العربية كافة، التي شهدت إضطرابات سياسية داخلية وانعداماً للأمن، وصعود جماعات متطرفة بعد "الربيع العربي" سنة 2011. 

كما أن الفلسطينيين أيضاً واجهوا موجات تهجير من فلسطين في كل من النكبة والنكسة عامي 1948 و1967. ثم موجات تهجير من الدول العربية التي هاجروا اليها بعد توقيع حكوماتها على اتفاقيات سلام. العراق أيضاً شهد موجات هجرة في عهد صدام حسين، وبعد عام 2003 مع الغزو الأميركي. كل هذه الشعوب إستحقت أن تفتح لها أبواب الدول المستقبِلة للمهاجرين، في وقت نعِم لبنان باستقرار نسبي مقارنة بها، فاستحقت شعوب هذه الدول المنكوبة الإلتحاق بصفوف الهجرة بدلاً من اللبنانيين. 

 

أما اليوم، فيواجه العالم نكبات أخرى، كالحرب الأوكرانية والحرب اليمنيّة وصعود جهات متطرفة في أفغانستان. كلها أسباب أكثر إلحاحاً من الضائقة الاقتصادية التي يمرّ فيها لبنان، مما منع اللبنانيين من أن يكونوا أولويّة لبلاد الغرب التي آثرت فتح أبوابها للجوء الأوكراني. وهي هرميّة عرقيّة جديدة تتعامل معها وزارات الخارجية حيث تفضل اللاجئين من جنسيات وأعراق قريبة لعرق أهل البلد، مما يضمن تكيّفها بكلفة أقل، ويضمن استقراراً أكبر في المجتمع وسهولة في التواصل وفضّ النزاعات. 

 

هذه الإنتقائيّة في اختيار اللاجئين، حدّت من الاختيارات المتاحة أمام اللبنانيين. فأمسوا مجبرين على اللجوء إلى عدد محدود من الدول قد لا يلبّي طموحاتهم كافة، أو قد يهدّد وجودهم فيه بسهولة إثر توتر العلاقات بين بلدهم الأم والمهجر. حيث شهدنا خلال السنوات الأخيرة توتر العلاقات بين لبنان ودول خليجية عدة، خسر بسببها العديد من اللبنانيين أعمالهم وإقاماتهم في الخارج، واضطروا للعودة إلى لبنان بسبب معاقبة السلطة للشعب بعد شجار مع أحد المسؤولين. 

 

في هذه الحالة أيضاً، نشهد هرميّة أخرى بقبول طلبات اللجوء حيث تفضل السفارات طلبات على أخرى بناء على اختلافات لم يخترها مقدمو طلبات الهجرة، كالدين أو الطائفة ومسقط الرأس ومكان السكن. بحيث أن هذه العوامل جميعها تدل على امكانيّة إنتماء فرد إلى جماعة حزبية غير مرغوب فيها في الدولة التي يريد أن يلجأ إليها. 

 

باستثناء هذه العوامل، تلعب "الهوية الرقميّة" عاملاً مهماً في تحديد إنتماءات الأفراد السياسية التي تؤثر على انتقائهم. حتى أصحاب الحسابات السريّة وأولئك الذين جاهروا في انتمائهم ثم غيّروا وجهتهم السياسية وحذفوا منشوراتهم، قد يكونون موضع شك السفارات التي، بفضل التطور التكنولوجي، تستطيع بسهولة أن تعرف التغريدات والمنشورات التي نشرت على حساب ما قبل الحذف، ليمسي التراجع عن مبادئ حزبية وهميّة ولا يؤثر كثيراً في حظوظ اختيار مقدم طلب الهجرة. 

 

في بلد يولد أبناؤه موصومين بطوائف ومستقطبين لأحزاب، ومحسوبين على جهات أباً عن جد، ينتمون لا محالة الى أحد الأقطاب السياسية ويندرجون، في خيارهم أحياناً وبتأثير المحيط في معظم الأحيان، في صفوف أحزاب طائفية ليصبحوا، في نظر كثيرين، غير مستحقين لقبول طلبات الهجرة باعتبارهم مستفيدين من النظام اللبناني الحالي ولا يسعون إلى تغييره، ومن الأجدر قبول طلبات أولئك الذين لا جهات سياسية يستفيدون منها ولا انتماءات حزبية غير مرغوب فيها. لذلك، يفضل معظم اللبنانيين الهجرة الى إحدى "الدول المسالمة والمحايدة" التي لا ترتبطها علاقات سياسية ومصالح اقتصادية مع لبنان، كيلا يؤثر تدهور العلاقات والمصالح على انتقاء أفراد من مجتمعات معيّنة. 

 

ناهيك عن الصعوبات المالية التي قد تحول دون دفع المستحقات المالية المطلوبة لتأمين سكن لائق ودفع ثمن تذاكر السفر. والحساب المصرفي الذي تطلبه وزارات الخارجية الذي، بسبب حجز أموال المودعين وشحّ العملة الصعبة، لم يعد يعني شيئاً اليوم، بل أصبح عائقاً آخر أمام الهجرة. مما دفع الكثيرين إلى سلك طريق الهجرة غير الشرعية عبر مراكب الموت التي أودت بحياة عدد كبير من الغارقين الذين تعلّقوا بقشة فغرقوا أكثر. 

 

ناهيك عن أشكال الهجرة غير الشرعية كافة التي يخيّم عليها شبح الموت حيث يستولي المهربون على مبالغ طائلة، نسبة إلى الوضع الحالي، ويفشل الهاربون في إيجاد حياة كريمة لهم ولذويهم، لكنهم يفضلون الهروب على البقاء. ففي بعض الهروب أمل، وفي بعض الهروب مواجهة إن كان من وضع شبه ميؤوس منه، خصوصاً لأن معظم المهرّبين لا يحاسبون ولأن، في  حالات عديدة للأسف، يجري تواطؤ بين القوى الأمنية والمهرّبين بحسب شهادات بعض الهاربين في قارب الموت في طرابلس.

 

هنا تبرز هرميّة أخرى: الإقامة لذوي القدرة الشرائية الأعلى، فهناك العديد من الدول الأوروبية التي  تمنح الاقامة لمن يشتري منزلاً على أرضها. كما أن خريجي الجامعات الأميركية أو الفرنسية في لبنان يتمتعون بحظوظ أوفر بالهجرة إلى البلدان التي تموّل جامعاتهم، خصوصاً الخريجين الذين يطمحون إلى إكمال دراساتهم العليا في الخارج. 

 

"إخترت الهجرة الى ايطاليا لتوفّر فرص تعليمية أفضل من تلك المتوفّرة في لبنان"، تُحدثنا عن تجربتها نور (إسم مستعار)، وهي تلميذة لبنانية تكمل ماجستير في الهندسة المعمارية في ميلان. "الشهادة هنا اهمّ، كما أن المساعدات المالية المقدمة تمكنني من الدراسة في أفضل معاهد الهندسة مجاناً، بينما تكلفني الشهادة ذاتها ملايين الليرات في لبنان لأتخرّج من جامعة لا يرد اسمها بين أهم مئة جامعة في العالم. قُبلت في جامعات أخرى في بلجيكا والمملكة المتحدة، لكن ارتفاع الكلفة المعيشية دفعني إلى رفض تلك الجامعات وتقديم طلب للإنتساب إلى جامعة ايطالية، علماً أنني لا أجيد اللغة، لأن الحياة هنا أرخص بكثير"، تكمل نور.

 

الهجرة ليست مصدر الإستقرار

 

فئة الشباب وأصحاب الشهادات عموماً هم الفئة المرغوب فيها. والفئة التي تمتلك جواز سفر، ولو لبنانياً، خاصة بعدما أوقفت وزارة الداخلية إصدار وتجديد جوازات السفر بلا سابق إنذار في خطوة تؤدي الى سجننا جميعاً في سجن كبير يسمّى لبنان. لكن احتمال توفير المهجر مكاناً للاستقرار التام كما يذاع على ألسنة اللبنانيين الذين يرون أن حالة القلق الدائمة وعدم الإستقرار التي تحوم حول حياتهم، تحلها إقامة في أي مكان غير لبنان، هي فكرة تنفيها نور. 

 

وتضيف: "أبني علاقاتي وأنا على يقين أنني أو أي أحد من رفاقي، سنضطر إلى الرحيل يوماً ما. عندما أفكر في شراء أثاث لمنزلي، أحرص على ألاّ يكون ثقيلاً أو كبيراً أو من الصعب نقله، لأنني سأتركه في حال انتقلت للعيش في دولة أخرى. تخلّيت مؤقتاً عن حلمي بتعلّم العزف على البيانو لأنني أعي بأنني سأتركه هنا عندما يحين وقت الرحيل. أضحّي بالاستقرار مؤقتاً لأتعلم وأعمل في ما بعد. رغم ذلك كله، أشعر أنني محظوظة لأنني رحلت، وأنه لا يحق لي أن أشتكي لأهلي وأصدقائي في لبنان عن حالة عدم الإستقرار التي أعيشها لأنهم يعيشون الحالة نفسها، لكن في الوطن". 

 

ربما هذا ما آلت إليه الأوضاع في المهجر: أن يسأل أحدهم إذا كان يستحق أن يشتكي أم لا. والأسوأ هو الشعور بالعبء لأن أولئك في الداخل يرون أن المهاجرين يعيشون حياة أفضل بمجرد مغادرتهم وأن الهجرة تفتح أبواباً للعيش في رغد، لتصبح الدول الأجنبية منوطة بالصور النمطيّة عنها، فقط كالمباني الشاهقة والأكل اللذيذ والمعالم السياحية. لكن نور تؤكد أن "جمال السفر وأهميته مبالغ فيهما، على الأقل عندما نسافر وفق ميزانية محدودة، خصوصاً أنني أعيش هنا منذ ثمانية أشهر وأجاهد لأجد عملاً بدوام جزئي، ولم أجد هذا العمل إلاّ قبل أسبوعين. لذلك، أعيش في حالة من الإضطراب بسبب سوق العمل العالمية بعد كورونا، كما أنني أفتقد مكاناً آمناً أرجع إليه في حال خسرت إقامتي أو لم أجد عملاً بعد تخرّجي". 

 

كثيرون يختارون هذه الطريق الطويلة والوعرة لأنهم فقدوا الأمل. كثيرون يعرفون جيداً أنهم ليسوا من أولئك المحظوظين الذين ستنتقيهم السفارات ليبدأوا حياة جديدة في الخارج. لكنهم، رغم كل العوامل المضادة، يحاولون ويكرّرون محاولاتهم التي يعرفون أنها ستبوء بالفشل، لا لشيء سوى للشعور بالانتماء والتمتع بالحقوق الأساسيّة التي يفتقدونها في بلدهم. أمست حياة الشباب اللبناني تقدّر بكهرباء وماء وطعام بعيداً عن أهداف تحقيق الذات.

 

لنسلّم جدلاً أن هذه الحقوق توفّرت، وأن الأوضاع في لبنان تحسّنت، فهل يتخلّى اللبنانيون عن حلمهم بالهجرة؟ لا أعتقد، لم يكن الاقتصاد اللبناني يوماً مشجعاً على البقاء في لبنان. مِن قبل الحرب الأهلية، يعمل هذا البلد على تنفير سكانه واستبعادهم تدريجياً من المشاركة في صنع القرار. مقوّمات الإندماج مفقودة تماماً في بلد كلبنان، والأمر لا يقتصر على الوضع الاقتصادي فحسب بل على الشعور بالانتماء والمشاركة السياسية، حيث شغل أفراد المجتمع جزءاً من الحيّز العام. لعل الوضع الاقتصادي ليس الأمثل بيد أنه سبب أساسي في الهجرة، وليس السبب الوحيد. 

 

*المصدر: https://al-akhbar.com/Community/326471

 

A+
A-
share
أنظر أيضا
03 حزيران 2022 بقلم امل عيسى، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
03 حزيران 2022
بقلم امل عيسى، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
12 أيار 2022 بقلم محمد ناصر
12 أيار 2022
بقلم محمد ناصر
أحدث فيديو
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam

السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة

حزيران 03, 2022 بقلم امل عيسى، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
15 آب 2022 بقلم محمد بزي، صحافي
15 آب 2022
بقلم محمد بزي، صحافي
05 آب 2022 بقلم أنطوان عطالله، مهندس معماري وعمراني
05 آب 2022
بقلم أنطوان عطالله، مهندس معماري وعمراني
01 آب 2022 بقلم فرح نصور، صحافية
01 آب 2022
بقلم فرح نصور، صحافية
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد