دور الوسطاء في حلّ النّزاعات: العاملون في محطات البنزين... نموذجاً

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 30 تشرين الثاني 21 بقلم سارة عاصي، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام 5 دقائق للقراءة
 دور الوسطاء في حلّ النّزاعات: العاملون في محطات البنزين... نموذجاً
عدرا قنديل
يعاني لبنان منذ أكثر من سنتين أزمة اقتصادية خانقة وانهياراً كبيراً في قيمة العملة الوطنيّة، ما سبب تعثراً في الإنتاج والإستيراد: شحّ في الوقود والمواد الغذائية والأدوية.. وقد ازدادت حدّة أزمة الوقود في البلاد بشكل غير مسبوق، إذ تحوّلت عملية ملء خزان السيارة بالبنزين إلى كابوس يعيشه المواطن اللبناني، بعدما تجاوزت طوابير سيارات المواطنين أمام محطات الوقود حدود الإذلال.

 

مشاهد الطوابير المأساوية

مَن منا لا يستذكر مشهد طوابير السيارات أمام المحطات، التي باتت نقطة التقاء اللبنانيين بكافة أطيافهم ومعتقداتهم الدينية والسياسية.الطلب الكبير على البنزين وقلّة الكميات في السوق، جعلا السيارات تصطف على جوانب الطرقات أمام المحطات منذ الصباح الباكر حتى المساءولتجاوز مدة الانتظار الطويلة، إنتشرت ظاهرة بيع البنزين في بعض الشوارع بأسعار مرتفعة عبر ملء "غالونات" بلاستيكية سعة 10 ليترات ونشرها على جانبي الطرقات العامة. 

بدورها، أصدرت "الدولية للمعلومات" خلال الأزمة التي نشبت، تقريراً بعنوان "متوسط كلفة الوقوف في طوابير البنزين 1,100 مليار ليرة"، أشارت خلاله إلى أن أزمة نقص المحروقات "ألحقت خسائر كبيرة بمختلف القطاعات الإنتاجية والإقتصادية". وأكدت أنّ ثمّة خسائر بسبب تشكيل طوابير من السيارات والآليات أمام كل المحطات، وساعات طويلة من الانتظار تحت أشعة الشمس الحارقة التي تحرق الأعصاب"، شارحة أنّه "يصعب احتساب كلفة الأمراض والأزمات الصحيّة الناجمة عن الانتظار والتوتر، وكذلك كلفة التلوث". 

في حين لم يخل الانتظار على محطات الوقود من مشاهد كوميدية قد تجعلك تبتسم وسط هذا البؤس. مشهد العريس الذي انقطع من البنزين يوم زفافه، لقي رواجاً بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي بحيث علّق الناشطون: "بداية زواج موفقة"، في حين قال البعض الآخر: "المكتوب مبيّن من عنوانو إذا بيوم عرسو وصار معو هيك". 

 

أعمال عنف ووقوع ضحايا 

تدريجياً، بدأت تشهد أزمة الوقود أعمال عنف. بات مشهد إطلاق النيران في محطات البنزين متكرراً، بالإضافة الى تكسير محتوياتها وآلات تعبئة الوقود. نتج من ذلك سقوط عدد كبير من الضحايا. الشاب غيث المصري قتل أمام محطة المحروقات التي تملكها العائلة في بلدة ببنين – عكار على خلفية زبون لم يرضَ بتعبئة كمية البنزين التي خصصتها المحطة. هذه الحادثة مشابهة لحالات شهدتها مناطق أخرى في لبنان، يذهب دوماً ضحيتها المواطن من جرّاء غياب دور الدولة والأجهزة الأمنية.

مَن ينسى حادثة التصادم على أوتوستراد السعديات في اتجاه العاصمة بيروت، مفرق برجا، التي أسفرت عن سقوط أم وبناتها الأربع. أحد أسباب الحادثة كان نتيجة البحث عن محطة وقود لتزويد السيارة بالبنزين، حين فوجئت العائلة بطوابير السيارات وسط ظلام دامس بسبب انقطاع التيار الكهربائي. 

دور العاملين في محطات البنزين

عانى المواطنون من أنواع الغش والاحتيال التي مارسها بعض أصحاب المحطات أو العاملين فيها الذين حصلوا على رشاوى من المواطنين في مقابل مضاعفة حصة كل سيارة. في حين استطاع البعض الآخر من العمال، لعب دور الوسيط بين المواطنين وأصحاب المحطات للتخفيف من وطأة هذه الأزمة. حدّة الخلافات تزايدت مع العاملين على محطات الوقود الذين تعرضوا للشتائم والسباب وأحياناً للضرب من قبل المواطنين المستائين من الوضع الراهن. 

خلال حديثنا مع "قومار"، أحد العاملين في محطة وقود، قمنا بالاطلاع على المخاطر التي تعرّض لها العمال في المحطات. أشار قومار، وهو من الجنسية البنغلادشية بات يجيد التكلم باللغة العربية بشكل جيد نتيجة وجوده في لبنان منذ أكثر من 6 سنوات، إلى أنه واجه العديد من المصاعب في بداية الأزمة نتيجة الفوضى وغياب دور الأجهزة الأمنية في تنظيم وقوف السيارات أثناء عملية تعبئتها الوقود.

شهدت المحطة أعمال عنف وشغب. قام أحد المواطنين أثناء تعبئة سيارته، بالتعرّض لصاحب المحطة، بحسب ما أفادنا قومار، نتيجة عدم تزويده بالكمية التي طلبها، ناهيك بأعمال العنف والتكسير التي لحقت بممتلكات المحطة. بدورها، عملت البلدية على إقفال المحطة في حضور عناصر من الأجهزة الأمنية لتفادي الإشكالات الحاصلة.

قومار وتأدية دور "الوسيط"

قرار إقفال المحطة زاد الأمر تعقيداً. فما كان من قومار إلاّ أن بحث عن وسائل وطرق أخرى لمساعدة الناس المتضرّرة، والتي قامت بالتواصل معه عبر حسابه الفايسبوكي، وطلبت منه المساعدة من أجل تزويد سياراتها بالوقود.

استطاع قومار أن يلعب دور صلة الوصل بين المواطنين وصاحب المحطة، بحيث قال: "كل أبناء الضيعة يحبونني، وأنا على علاقة جيدة بالجميع خصوصاً خلال الأزمة، لأنني قدمت المساعدة إلى كل من هو في أمسّ الحاجة إلى تعبئة سيارته بالبنزين". أضاف: "إلاّ أنني رفضت طلب كل من تواصل معي بغية تعبئة سيارته أكثر من مرة في اليوم خوفاً من أن يبيعها في السوق السوداء"، مؤكداً أن كل هذه الاجراءات التي قام بها كانت بالتنسيق مع صاحب المحطة.

لا بدّ من الإشارة إلى أن حساب قومار يلقى رواجاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل أبناء المنطقة نسبةً للفيديوهات الكوميدية التي قام بنشرها خلال الأزمة. ونظراً إلى العدد الكبير للمتابعين الذي حصده قومار على حسابه الفايسبوكي، طلب أعضاء البلدية منه تصوير فيديو من أمام مبنى البلدية لحثّ المواطنين على تسجيل أسمائهم على المنصة الالكترونية التي تمّ اعتمادها من أجل تسهيل عملية تعبئة سيارات المواطنين بالبنزين.

أشار قومار إلى أن هذه المنصة كان لها دور كبير في التخفيف من حدّة الأزمة التي شهدناها. استطاعت البلدية، بعد الاستعانة بشباب متطوعين، تنظيم وقوف السيارات أمام محطات الوقود من دون حصول أعمال شغب بين المواطنين من جهة، أو بينهم وبين أصحاب المحطات والعاملين فيها من جهة أخرى.

الوساطة وسيلة لحلّ النزاعات

تشكّل الوساطة أداة مرنة إستطاعت أن تثبت فعاليّتها في مواجهة التحدّيات التي فرضتها الأزمة اللبنانية. لم تعد الوساطة مجرّد نظرية يمكن التغاضي عنها، بل أصبحت حاجة أساسيّة لا بد من إدخالها في مجتمعاتنا لإرساء ثقافة الحوار والسلم الأهلي وفضّ النزاعات، وتعزيز دورها كوسيلة بديلة لحلّ الخلافات.

تجدر الإشارة، إلى أن عملية الوساطة قد تبدو سهلة من حيث الظاهر، إلاّ أنه قد يكون من الضروري جداً، من أجل التوصل الى حلّ ينهي النزاع، أن لا تتوقف الوساطة عند مظاهر هذا النزاع، إنما يقتضي الغوص في أصله للبحث عن جذوره لمساعدة الأطراف على إيجاد حلّ يرضي الجميع.

على سبيل المثال، إستطاع العامل قومار أن يؤدي دور الوسيط باتقان، علماً أنه لا يملك شهادات جامعية أو خبرة في هذا المجال. لم يستغل وجع الناس لمآرب شخصية، بل عمل على إيجاد حلّ وسطي بينهم وبين صاحب المحطة، والدليل محبة أبناء المنطقة له.

هكذا يرافق الوسيط الأفرقاء ليجدوا معاً أرضية مشتركة يساعدهم الوسيط في توليدها، كما يتعيّن على أطراف النزاع أن يجدوا حلاً مقبولاً من الجانبين بمساعدة الوسيط، بمعنى أن يربح الجانبان من خلال هذا الحل عبر المعالجة البنّاءة للنزاعات. هذا الأمر يحتّم علينا العمل على نشر ثقافة الوساطة في مجتمعاتنا.

التغيير يبدأ من الداخل

ما أحوجنا اليوم في ظل الأزمات التي تعصف بالبلاد إلى "شيخ صلح"، الذي طالما عمل وسيطاً فطريّاً بين المتخاصمين، ولطالما تُوِّجت وساطته بالنجاح. فكلّ مُجازٍ ومتخصّصٍ ومؤهّلٍ لمعترك الوساطة، يمكنه ولوج هذا المجال وامتهانه، واتقان فن التحاور والتفاوض في تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين. فالتغيير يحصل في النفوس ومن الداخل، لذلك يجب نشر هذه الثقافة والسعي إلى تطبيقها كي نصل إلى وطن نموذجي.

A+
A-
share
أنظر أيضا
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
08 نيسان 2024 بقلم رهف أبو حسّان، صحافية
08 نيسان 2024
بقلم رهف أبو حسّان، صحافية
07 نيسان 2024 بقلم ربى الزهوري، صحافية
07 نيسان 2024
بقلم ربى الزهوري، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد