تحميل "الناطور" وزر الأزمة اللبنانية

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 كانون الأول 21 بقلم فاطمة شريف، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام 5 دقائق للقراءة
تحميل "الناطور" وزر الأزمة اللبنانية
عدرا قنديل
حراسة الأبنية مهنة شاقة، مَن يمارسها لا يعرف الراحة ولا الهدوء، حيث لا دوام ولا حدود للخدمة التي يقدمها الحارس.

حارس العمارة أو "الناطور" كما تتم تسميته يعيش في غرفة في أسفل المبنى، وهو مسؤول عن كل صغيرة وكبيرة تخص سكان المبنى؛ فهو الملبّي لطلباتهم والمنفّذ للمهمّات التي لا يستطيعون إتمامها بسبب انشغالهم بأعمالهم.

خلال أزمة الكهرباء في لبنان، لم تقتصر وظيفة الحارس على تأمين الحماية للسكان، ورمي النفايات، ونقل قوارير الغاز، وتوزيع فواتير الكهرباء والمياه والهاتف، وغسل السيارات، وإصلاح المعدات الكهربائيّة والصحيّة، بل تضاعفت مهماته أضعافاً خلال الأزمة.

قال أبو محمد، حارس أحد الأبنية المؤلفة من ٧ طبقات في منطقة صيدا، والذي فضّل عدم ذكر إسمه كاملاً، أن الإشتراك الكهربائي للمصعد في المبنى تتكفل بدفعه شقة واحدة فقط من أصل ١٤ شقة لكون قاطنيها رجلاً وإمرأة مسنين، وقد أخبرنا عن معاناته مع باقي السكان، وتوبيخهم له بسبب رفضه تشغيل المصعد إلاّ للشقة تلك.  

أضاف: "لست معتاداً على"البهدلة" ولطالما شعرت بالإنزعاج، خصوصاً عندما يتم التعاطي معي من قبل سكان المبنى بأسلوب استفزازي خالٍ من الذوق والإحترام". 

أما في أحد أبنية منطقة الجناح، فيروي لنا سلمان، حارس المبنى، عن حال السكّان وخلافاتهم بسبب تقنين "الموتور".

فقال: "كلُّ شقة تريد "الموتور" في الوقت الذي يناسبها. فالشقق التي يسكن فيها طلاب مدارس، يريدون الكهرباء صباحاً لمتابعة صفوفهم "أونلاين"، بينما يريد الموظفون الكهرباء عند عودتهم من العمل". 

وتابع: "البعض يأتون من أعمالهم ويرمون ثقل ضغوطهم عليّ"، ثم اغرورقت عيناه بالدموع وقال: "وكأنو أنا يلّي عملت الأزمة". هذه الأزمة الصعبة جعلتني أتعرّف إلى طباع الناس وأخلاقهم من خلال طريقتهم في التعاطي معي".

يعتمد معظم السكان على الحرّاس في قضاء كل حوائجهم، من نقل قوارير الغاز ورمي النفايات وإحضار الأغراض من السوبرماركت، لذا باتت أعمال الحارس في هذه الأزمة مضاعفة أضعافاً بسبب غياب المصعد الكهربائي.

وقد أخبرنا ربيع، وهو حارس مبنى في بيروت، عن معاناته في توصيل قوارير الغاز إلى الطابق العاشر سيراً على الأقدام، قائلاً "بوصل عَ آخر روح". 

أضاف: "هناك عادة جديدة اعتبرها سكان المبنى الذي أعمل فيه أنها من واجبي، وهي توصيل الحقائب المدرسية للأطفال الذين يسكنون في المبنى إلى منازلهم". وأكّد أن الموضوع بات متعباً له، ففي حال رفض يتم توبيخه. "نحنا بني آدمين، وسكان البناية لا يعلمون شيئاً عن أصلنا ولا عن أهلنا... ولا إذا كنّا متعلمين أم لا، معظمهم يعاملوننا كأننا آلات لا مشاعر لها".

أما مصطفى، حارس أحد الأبنية السكنية في بعبدا، فيقول: "ينبغي أن يكون الناطور موجوداً في البناية ٢٤ ساعة. ففي حال انقطع إشتراك الكهرباء وكنت خارج منزلي، عليّ أن أكون على استعداد عند عودتي لاستقبال التوبيخ من سكان البناية".

أضاف: "البعض يعاملني كأخ والبعض الآخر كعدو؛ لكنني قررت ان أتحمّل مآسي هذه المهنة التي قد يمتد دوام العمل فيها حتى وقت متأخر من الليل... لا يهم بما تشعر به، تعب، راحة ، فرح، حزن، المهم أن تنقل أغراض السكان وتلبّي حاجاتهم في أي وقت".

وخلال مقابلة أجريت مع محمود، حارس مبنى في منطقة فردان، تحدث عن التعاون الذي حصل بينه وبين لجنة المبنى لتخطي الأزمة. أما في ما يخص كيفيّة تأمين مادة المازوت لمولّد المبنى، فقال: "قامت لجنة المبنى بالتعاقد مع احدى شركات المحروقات لتأمين المازوت للمولّد، وهذا الأمر لم يكن مطلوباً مني". 

أضاف: الأزمة شملتنا جميعاً، لذا من الواجب أن نتحمّل بعضنا البعض ونتعاون في ما بيننا لنتخطاها، حتى ولو كان التعب مضاعفاً".

الجدير ذكره، انه خلال المقابلات التي أجريناها وسألنا فيها بعض الحرّاس عن دورهم في تأمين مادة المازوت وفي تقنين المولّدات، كانت الأجوبة أن هذا الموضوع تتولاه لجنة البناية.

وخلال مقابلة مع السيدة سعاد عيتاني، من سكان  منطقة مار الياس، قالت: "هناك حاجة كبيرة لوجود ناطور في المباني السكنية بسبب انشغال جميع السكان، رجالاً ونساء، في العمل. لذلك فهو يتولى جمع فواتير الماء والكهرباء وملء خزانات المياه، وجلب قوارير الغاز، ورمي النفايات، وإحضار الأغراض من السوبرماركت، ويساعدنا خلال الأزمة ويتحمّل طلباتنا الكثيرة".

وتابعت: "لم أكن أرغب في وجود حارس في البناية التي أسكنها لو لم تكن جميع النسوة في المبنى يخرجن إلى العمل خلال النهار، بل كنت أرغب في أن يتم التعاون بينهن جميعاً، فينجزن مستلزمات السكن بطريقة يتم فيها توزيع العمل بالتساوي". 

أضافت: "بالنسبة إليّ، أثق بـ"الناطور" وأسمح له بالدخول إلى منزلي، وأطلب منه مساعدتي في حمل بعض الأغراض الثقيلة. كما أتناول معه القهوة أو الشاي، وأعامله كما أعامل جيراني بحيث يحكم العلاقة تبادل العون والمساعدة، كل بحسب إمكاناته".

إن أسلوب التعاطي مع "الناطور" يرجع إلى ما يحمله الإنسان في شخصيته من موروث ثقافي وفلسفة غالباً ما تكون دليل سلوكه مع البشر أجمعين.

حان الوقت لتقريب النواطير

من مكتسبات مدوّنة العمل 

أشار أستاذ مادة حقوق الإنسان في الجامعة اللبنانية وسيم وهبي، إلى أنه يجب اقتراح قانون لتمكين نواطير العمارات السكنية من الحصول على الضمانات الممنوحة للأجراء في إطار مدونة العمل.

أضاف: "يسعى هذا القانون إلى أن تتمتع هذه الفئة من الأُجراء بجميع الضمانات الممنوحة إلى بقية الأجراء ضمن مدونة العمل، بغية إخراجهم من منطق العمل بالسخرة، ومنحهم ضمانات مزاولة مهماتهم في شكل محدد ضمن تعاقد يحدّد إلتزامات جميع الأطراف، وضمان سهر القانون على تأطيره ومجازاة أي اختلالات في شأنه".

وتابع: "لا بد من اقتراح قانون عمل البوابين، فعلى الرغم من أنه وفقاً للقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990 المادة 7 فإن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم".

لا يوجد قانون عمل ينظم علاقة تلك الفئة بمرؤوسيها، ويحوّلها من علاقة عطف وإحسان أو مكر وصراع إلى حقوق وواجبات، يتم تقديرها مادياً بمبلغ يرتبط بالمهمات الوظيفية المطلوبة بالتحديد، وعدد ساعات

العمل، والجهد المبذول، مع علاوة ترتبط بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار، ومكافأة لنهاية الخدمة لدى بلوغ سنّ الستين مثلاً أو العجز الكلي أو الوفاة، تتحدّد وفقاً لعدد سنوات العمل.

لا بد من قانون يحدد إمكانيّة العمل خارج العقار من عدمها، ويوم الإجازة الأسبوعية، والحسومات المقررة في حال التقصير، وكذلك آلية حصول الناطور على حقوقه المالية في حال قصّر السكان في تقديمها.

لذا، فإن تلك الفئة في حاجة إلى قانون يجعل كل هذه الأمور حقاً قانونياً واجباً، لا تقديراً شخصياً للسكان وكرمهم من ناحية، أو تعسّفهم من ناحية أخرى، هذا باعتبارهم مواطنين يحميهم الدستور وتشملهم حقوق الإنسان وتعرفهم صناديق الانتخابات".

يلعب حرّاس الأبنية في لبنان دوراً مهماً خلال هذه الأزمة لتسهيل أمور السكان والتخفيف من ثقل الصعوبات، لكنهم يأملون في أن يتم التعاطي معهم بوصفهم بشر من لحم و دم، يفرحون، يحبّون، يكرهون، يشردون أحياناً إلى مناطق تركوا فيها قلوبهم ويحلمون، على أمل أن تزهر أحلامهم يوماً.

A+
A-
share
أنظر أيضا
02 حزيران 2024 بقلم عبير مرزوق، صحافية
02 حزيران 2024
بقلم عبير مرزوق، صحافية
08 نيسان 2024 بقلم رهف أبو حسّان، صحافية
08 نيسان 2024
بقلم رهف أبو حسّان، صحافية
07 نيسان 2024 بقلم ربى الزهوري، صحافية
07 نيسان 2024
بقلم ربى الزهوري، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد