أعترف

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 شباط 15 4 دقائق للقراءة
أعترف
كانت <<عاريا>>، مسقط رأسي الجميل في قضاء بعبدا بجبل لبنان، تبعد حوالي خمسين كيلومترآ عن <<الشام>>، مسافة ساعة ونصف الساعة على الأكثر بالسيارة. ومع ذلك، لم تطأ قدماي ذلك البلد القريب البعيد في تلك الأيام. كان منزلنا يقع على طريق الشام، تلك الطريق التي قيل لي يوم كنت طغلة، إنها سمّيت كذلك <<لأئها تقود إلى الشام>>، وهي كانت تشهد حركة ذهاب وإياب لا تنقطع، لسيارات وباصات وشاحنات، يحمل بعضها لوحات سورية. لكنني لم أفكر يوماً الذهاب إلى سوريا.

أعترف.... لم أرغب مرة بزيارة سوريا

ثم انتقلت من <<عاريا>> إلى <<جونيه>>، ومنها إلى خارج لبنان لستوات... وصارت سوريا بعيدة أكثر، المرّة لبوحيدة التي قصدت فيها دمشق كانت في عام 2009، من أجل تغطية إعلامية استمرت يومين، وهذان اليومان لم يغيرا كثيراً مشاعري تجاه سوريا وأهلها.

أعترف... كنت اختزلت كل سوريا وكل شعبها بذاك الجندي الذي كان يوقفني على حاجز في <<قريتي>> وفي <<بلدي>>، ليفتش السيارة ويطلب أوراقي، فأجيبه بتمرّد، فينتقم بإطالة وقت التفتيش.

في عقلي الباطني، تماهى كل السويين مع <<قوات الردع>> التي <<استضفناها>> في منزل عمّي في الطابق العلوي فوق بيتنا، فتحولت فجاة إلى قوة احتلال.

ولم يكن ينقص تلك الصور في ما بعد، إلأ الشعور المؤلم بالاضطهاد والعجز نتيجة ممارسات القمع التي كانت تقوم بها الأجهزة الأمنية اللّبنانية في ظل وصاية النظام الأمني السوري، والتي شملت الإعلاميين... فبسببها غادرت لبنان، وابتعدت عن عائلتي، زوجي وأولادي، أهلي وكلّ من أحب.. بحثاً عن استقرار ومساحة حرّية وكرامة عيش.

يوم قامت الثورة في سوريا، سقطت كل أفكاري السابقة. يوم بدأت الحرب - ويشهد زملائي على ذلك- صرت سورية. قبل وقت طويل من ابتكار عبارة (أنا شارلي)، كنت أردد لمن يريد أن يسمع (أنا سورية).

أخبار سوريا الجميلة أكتبها بشغف وحبّ. مآسي سوريا تسحقني، تسكنني، لا تفارقني. الجغرافيا السورية حفظتها: أكاد أعرف إسم كلّ قرية ومدينة، وأحبها كلّها.

اليوم، أرغب من كل قلبي بأن أزور سوريا.

 

 

أعترف...

قبل الحرب، لم أكن أعرف سوريين كثرين. وأحزن لأنني لم <<أكتشفهم>> إلاّ بسبب الحرب.

أستدرك وأصحّح: كنت أعرف وأتابع أولئك النين كنّا نسميهم <<المثقفين السوريين>>، والذين تعرفت عليهم من خلال صفحات <<ملحق النهار>>. لكن بالنسبة إليّ، لم يكونوا <<سوريين>>، كانوا من تلك الشريحة من الناس التي لا تنتمي إلى أي بلد أو أي جنسية. شريحة تقول كلمتها، تحرّك الضمائر، وتمشي. بعد الحرب، ومن خلال عملي الصحافي واتصالاتي مع سوريين في الداخل، اكتشفت أبطالاً كثيرين: هم أولئك الذين لم تفسدهم الحرب، ولم ينل منهم التطرّف، ولم يحطّمهم الحقد. في لبنان، تعرّفت إلى سوريين غيرهم. وأجد لذة حقيقية في أن أراقب أصدقاء وزملاء <<يكتشفون>> بدورهم السوريين، وأن أستمع إلى تبادل تأخّر كثيراً: حول العادات والتقاليد، حول السياسة، حول الأطباق اللّبنانية والمطبخ السوري، حول المذاهب والأديان، حول بيروت وشارع الحمرا...

واكتشفت مثقفين كثيرين بينهم، ليس بسعة معلوماتهم فحسب، بل بتواضعهم، بعفويتهم، بتحفظهم، باختيارهم لكلماتهم عندما يتحدثون عن تاريخ العلاقات بين وطننا ووطنهم. هم مثقفون بتهذيبهم، بصوتهم الخافت، بصبرهم على كل التمييز والصعوبات التي يعانون منها في لبنان.

 

واكتشفت أنني بقدر ما أتعاطف مع السوريين الحالمين بالديموقراطية والحرية والناضلين لأجلها، أتفهم أولئك المدافعين عن الرئيس بشار الأسد لأنهم لا يرون بديلاً له إلاّ التطرّف. نحن أيضاً في لبنان منقسمون، نقاتل من أجل أفكارنا، ونموت من أجل أحلامنا.

واكتشفت السوريين النين يعيشون في المخيّمات والغرف الصغيرة والمساكن المستحدثة. وهم أيضاً صابرون. أنا عشت الحرب الأهلية في لبنان، وكان منزلي يقع على خط تماس. شهدت قريتي مجزرة من مجازر حرب الجبل. أعرف اشخاصاً خطفوا وتألّموا وماتوا. لكن لا أعتقد أنني رأيت عذاباً مثل ذلك الذي أراه في مخيمات النازحين في لبنان، ولا رأيت مثل هذا الصبر.

من حولي من لا يشاطرني الرأي. من حولي من لامبالاته تمنعه من التركيز على غير عبء اللاجئين، وتراجع فرص العمل، والتوترات الأمنية، وتداعيات النزاع على بلدنا. من حولي يتملكه الخوف، الخوف من التطرّف، الخوف من الفوضى، الخوف من الآخر، إلى درجة ضياع الإنسان الذي فيه.

لكن ممن هم حولي أيضاً ثمّة من تصالح مع نفسه ومع الماضي، من يدرك أن الجريمة ليست سمة شعب وجنسية، ويعرف كيف يفصل بين الإنسان وعمل الإنسان... من يخجل من إجراءات على الحدود يدفع ثمنها أناس يتشبثون بالحياة. من حولي من يحب لبنان، من دون أن يكره كل ما عداه... لذلك لا أشعر بالإحباط، ولن أيأس.

 فالسلام يبنيه الحالمون، السلام يبنيه الصابرون...

A+
A-
share
أحدث فيديو
تحميل المزيد