توفير الخدمات اللازمة للشعب اللبناني يعزّز المواطنة

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 07 أيار 20 بقلم جورج حابك، صحافي 8 دقائق للقراءة
توفير الخدمات اللازمة للشعب اللبناني يعزّز المواطنة
المواطنة الحديثة ليست مفهوماً ثابتاً يحتذى به إلى الأبد وإنما هي واقع متغيّر، فمواطن 2020 ليس كمواطن 1789 كما أنه ليس كمواطن عام 1920. الملاحظ أن ممارسات المواطنة تأخذ اليوم أشكالاً ملموسة تختلف باختلاف البلدان الديمقراطية، والسؤال الجوهري اليوم: إلى أي مدى تراعي الدولة اللبنانية مفهوم المواطنة من ناحية وصول المواطن إلى الخدمات؟ وماذا يستطيع المواطن القيام به للتعويض عن تقصير الدولة في تأمين هذه الخدمات الضرورية والأساسية؟يعيش المواطن اللبناني زمن التغيّرات الجذرية نتيجة الأزمة الاقتصادية والخطر الصحي الداهم بسبب الكورونا. لذلك بات المواطن مقتنعاً بضرورة طيّ صفحة حياة الرخاء والإنتقال إلى نمط حياة لم يعتده سابقاً وهو يعيش الآن أقصى درجات القلق فيما تزدحم في رأسه هموم وهواجس انهيار البلد اقتصادياً وغلاء المعيشة وتراجع قيمة الليرة اللبنانية وقلّة فرص العمل واقفال بعض المؤسسات التي تتهاوى مثل الدومينو والضرائب المحتملة وأقساط المدارس والفواتير المضاعفة والرواتب الزهيدة، إضافة إلى همّ فيروس الكورونا الذي انتشر في كل دول العالم حتى أعلنته منظمة الصحة العالمية وباء عالمياً.
المواطنة الحديثة ليست مفهوماً ثابتاً يحتذى به إلى الأبد وإنما هي واقع متغيّر، فمواطن 2020 ليس كمواطن 1789 كما أنه ليس كمواطن عام 1920.  الملاحظ أن ممارسات المواطنة تأخذ اليوم أشكالاً ملموسة تختلف باختلاف البلدان الديمقراطية، والسؤال الجوهري اليوم: إلى أي مدى تراعي الدولة اللبنانية مفهوم المواطنة من ناحية وصول المواطن إلى الخدمات؟ وماذا يستطيع المواطن القيام به للتعويض عن تقصير الدولة في تأمين هذه الخدمات الضرورية والأساسية؟يعيش المواطن اللبناني زمن التغيّرات الجذرية نتيجة الأزمة الاقتصادية والخطر الصحي الداهم بسبب الكورونا. لذلك بات المواطن مقتنعاً بضرورة طيّ صفحة حياة الرخاء والإنتقال إلى نمط حياة لم يعتده سابقاً وهو يعيش الآن أقصى درجات القلق فيما تزدحم في رأسه هموم وهواجس انهيار البلد اقتصادياً وغلاء المعيشة وتراجع قيمة الليرة اللبنانية وقلّة فرص العمل واقفال بعض المؤسسات التي تتهاوى مثل الدومينو والضرائب المحتملة وأقساط المدارس والفواتير المضاعفة والرواتب الزهيدة، إضافة إلى همّ فيروس الكورونا الذي انتشر في كل دول العالم حتى أعلنته منظمة الصحة العالمية وباء عالمياً.
 
حق الوصول إلى الخدمات لمواطنة أفضل
ما نتحدث عنه هو المواطنة الإقتصادية والإجتماعية المرتبطة بمفهوم المواطنة الأعمّ والأشمل، ويعبّر هذا المفهوم عن موضوعات محددة، كالحق في الحصول على الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والإتصالات والإنترنت... إن إدارة الدولة الحديثة، تقوم على أساس مفهوم (الدولة خادمة للشعب) بدلاً من مفهوم (الشعب خادم للدولة)، وهذا المفهوم؛ يستلزم أن تقوم الدولة بواجباتها ومسؤولياتها، بغية تسهيل إيصال الخدمات إلى المواطنين المُقيمين على أرض الدولة، وكذلك الأشخاص الوافدين، والأجانب، ومَن يعيشون على أرضها، بصفةٍ دائمة أو مؤقتة، من دون النظر إلى أي اعتباراتٍ عرقية، أو دينية، أو طائفية تحديداً، مع توفير الخدمات العامة الأساسية اللازمة للحياة والكرامة والرفاه، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: التعليم، الصحة، العمل، الكهرباء، المياه، االإتصالات والإنترنت. يمثّل تقديم الخدمات العامة جوهر العقد الإجتماعي بين الدولة ومواطنيها، وروح العدالة الإجتماعية بين المواطنين من حيث تحقيق المساواة في الحصول على الخدمات العامة الجيدة، والحجر الأساس في ضمان نوعية مقبولة من الحياة الحرّة والكريمة، فضلاً عن أن موضـوع توفير الخـدمات العامة؛ وتقديمها، وتطويرهـا، وتفعيلها وتقيّيمها، يعدّ أحـد أهـم الموضـوعات التخصّـصية فـي الإدارة العامة الحديثة.
مشاكل من دون حلول
التعليم: تجسيد الحق في التعليم تطوّر وفقاً لسرعتين: واحدة للفقراء والفئات الإجتماعية المهمشّة، وأخرى للشرائح العليا من الطبقة الوسطى والميسورين. وانعكست هذه الإزدواجية تفاوتاً حاداً في نوعية التعليم، وتبايناً في معدلات الرسوب والتسرّب والترفّع بحسب أنواع التعليم الرسمي والخاص، وكذلك وفق المناطق والفئات الإجتماعية المتنوّعة. وبدت بنية تدخلات الدولة اللبنانية في هذا الحقل (التعليم الرسمي) معاكسة لما انتهت إليه بنية التدخلات المماثلة في البلدان المتقدمة التي سبقتنا: حضور ضعيف نسبياً للتعليم الرسمي في لبنان في المراحل الابتدائية وما قبل الابتدائية، ومن ثمّ إرتفاع تدريجي لهذا الحضور في مراحل التعليم اللاحقة، وصولاً إلى الجامعة. ولعل التراجع الاقتصادي الذي طرأ على المجتمع في الفترة الأخيرة، فرض على اللبنانيين القبول بالتعليم الرسمي بحيث شهدت المدارس الرسمية إقبالاً أكبر لتسجيل الأبناء فيها. 
أما في زمن الكورونا، فلجأت المدارس الخاصة إلى التعليم الإلكتروني تأقلماً مع الظروف الصعبة ولتعويض ما ينقص الطالب في ظلّ الغياب التام عن المدرسة. فكل ما يطرحه البعض حول معوّقات هذا النوع من الخيارات وجدواه صحيح في المبدأ، لكنه يبقى في الظروف الراهنة أفضل الممكن للمدارس والأهالي والطلاب.
لدى الحديث عن التعليم الإلكتروني، نتحدث عملياً عن موضوعين هما: إنتاج المحتوى الرقمي، والإتصال بالطلاب لتزويدهم بالمحتوى الرقمي التعليمي والتفاعل معهم انسجاماً مع التعليم عن بعد. الصحة: خضع تجسيد الحق في الصحة، إلى حدّ معيّن للمنطق نفسه، حيث تعدّدت نظم التأمين الصحية العامة وشبه العامة - وفقاً لشروط انتساب ومعايير تغطية غير خاضعة لمنطق متجانس - ولكن مع استمرار افتقاد نحو نصف اللبنانيين لنظام تأمين صحي وصريح ومحدد. واستقرت تكاليف الخدمة الصحية على مستويات عالية نسبياً (في المقارنات الإقليمية والدولية). قبل الأزمة الاقتصادية في لبنان وانتشار الكورونا، كان هناك وجود فائض في العرض الصحي على المستوى الوطني، لجهة متوسط عدد أسرّة المستشفيات وعدد الأطباء والصيادلة لكل ألف نسمة، وكذلك لجهة حجم التجهيز الصحي ونوعه مقارنةً بمستوى المداخيل. لكن بعد الأزمة الاقتصادية، إتجهت أوضاع المستشفيات إلى "الأسوأ"، بسبب عدم قدرتها على توفير كافة المستلزمات الطبية اللازمة لعلاج المرضى، إضافة إلى عدم توافر عدد كاف لأجهزة التنفس الإصطناعي لكل المصابين بفيروس الكورونا، مع ارتفاع في أسعار الخدمات الصحية نتيجة ارتفاع الدولار في السوق السوداء. وعلى صعيد مواجهة أزمة فيروس الكورونا، ساهم الوعي الاجتماعي في التخفيف من عدد المصابين وتطوّع البعض في الخدمات الاجتماعيّة والصحيّة للتخفيف من العبء على المواطنين، وقد تمثّل هذا الأمر في مبادرات شخصية وجماعية من الصليب الأحمر، وتأمين الأدوية من الخارج، ونشر حملات التوعية. فعلى سبيل المثال أقدم 14 طالباً في الطب من الجامعة اللبنانية، على التطوّع لمحاربة فيروس كورونا في غرف العزل والحجر والعناية داخل مستشفى رفيق الحريري الحكومي. العمل: يبرز الخلل في تجسيد الحقوق الاجتماعية، بصورة أشدّ سطوعاً، إزاء موضوع توفير فرص العمل لعشرات الآلاف من اللبنانيين المتدفقين سنوياً إلى سوق العمل. فقد بقي دور الدولة المباشر (عبر التوظيف الحكومي) وغير المباشر (عبر سياسات التحفيز الإنمائية القطاعية) معدوماً أو شبه معدوم على هذا الصعيد. في المقابل، خلّفت التركيبة الاجتماعية - الطائفية بصماتها الملموسة على آليات العمل الناظمة للقطاع الخاص في هذه السوق. وقد بدت العلاقة بين بنية الطلب على العمل من جانب المؤسسات الخاصة، وبين بنية العرض الوافد من مخرجات النظام التعليمي، محكومة باعتبارات مناطقية وطائفية وعائلية ضيّقة ومعوّقة للتقدم. هذا ما أفضى إلى ضعف حراك القوى العاملة، وعزّز البطالة الصريحة والبطالة المقنّعة والنقص في التشغيل، وأنتج ذلك المستوى البائس من إنتاجية العمل. وفي مرحلة إنتشار وباء الكورونا في لبنان بات على العامل أن يبلّغ فوراً بأمر بقائه في الحجر الصحي إذا تبيّن انه مصاب بالكورونا مع المحافظة على كامل الحقوق الملزمة التي تحدّد حسب القانون والأنظمة وقرارات الحكم الصادرة عن وزارة العمل.الكهرباء والمياه والدش والانترنت: يفرض نمط الحياة الذي يعيشه اللبناني اليوم، تأمين المواطن اشتراكات إضافية بدلاً من الكهرباء والمياه والدش والإنترنت، حتى بات اللبناني دويلة مصغّرة، يقوم فيها بتأمين خدمة ذاتية له من خلال نفقات إضافية. 
يجد المواطن نفسه مجبراً كل شهر على أن يدفع قسطاً إضافياً للمولّد الكهربائي بحدود 100 دولار، فضلاً عن اشتراك القنوات الفضائية الذي يبلغ نحو 20 الف ليرة لبنانية، من دون أن ننسى إشتراك المياه الإضافي كون المياه شبه مقطوعة طيلة العام بمعدل 30 الف ليرة في الأسبوع، بالإضافة طبعاً إلى إشتراك الإنترنت الذي يبلغ 30 الف ليرة لبنانية في الشهر. هكذا يضطر المواطنون إلى دفع بدل الاشتراك للخدمات مرتين. وشهدت الفترة الأخيرة تدابير للتخفيف من انتشار وباء الكورونا عبر قيام الدولة بتوفير خدمة انترنت سريع إلى المنازل للتشجيع على العمل والدرس من البيوت، إضافة إلى ذلك انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أرقام هواتف لشبان تطوّعوا ليقدموا خدمة "الدليفري" على الدراجات النارية مجاناً، لتوصيل المواد الأولية ومشتريات السوبرماركت للعائلات الملتزمة بالحجر المنزلي، في مختلف المناطق شمالاً وجنوباً. وقام طلاب الكيمياء في الجامعة اللبنانية، بالتعاون مع كلية الطب بتعقيم المحلات التجارية وصالونات الحلاقة ومحلات الألبسة، وتقديم الكمّامات والقفازات إلى أصحابها، مقابل بدل مادي رمزي قدره 1000 ليرة لبنانية فقط.
 
ثورة بناء المواطنة
إنّ غياب هذه الخدمات أدى إلى نقمة مشتركة لدى كل المواطنين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم، وخصوصاً أن جميعهم يشكون من فساد المسؤولين في الدولة، وعدم توفيرهم للمواطنة الاجتماعية المتكافئة في ظل نظام سياسي مشتّت ومحكوم بمنطقين متعارضين، منطق الدولة المدنية من جهة، ومنطق الطائفية - السياسية من جهة أخرى. وتزداد هذه المشكلة حدّة عندما يُسجّل إتجاه عمليّ نحو تفكيك نظام التأمينات والخدمات العامة لمصلحة أشباه نظم تبنيها الطائفية - السياسية المختلفة، وتتوسّلها أداة للإستمرار في إخضاع "جماهير الطوائف" سياسياً واجتماعياً في مقابل حفنة من الخدمات التي غالباً ما يجري تمويلها - وهذا هو الأفظع - عبر عمليات قضم واقتطاع للمال العام. إن استقطاب فئات اجتماعية متزايدة عبر أشباه النظم الخدماتية هذه، ينطوي على آثار بالغة السلبية، وخصوصاً بالنسبة إلى انتظام مفهوم المواطنة الإجتماعية وعلاقة إنتماء المواطن إلى الدولة المدنية. باختصار، إن هذا الاستقطاب يعزّز إعادة إنتاج النظام الطائفي ونخبه العائلية والدينية.
إنفجر المواطنون غضباً في 17 تشرين الأول 2020 من هذا الوضع وثاروا على حالة التراجع في الخدمات العامة، وشلل السياسة الوطنية، وتفاقم الفساد، وطالبوا بدولة المواطنة التي تدفع إلى ارتباط أوثق للمواطن ببلاده، وتعمّق إحساسه بالإنتماء والولاء للوطن، وتعزّز الأمن المجتمعي على قاعدة القانون وتكافؤ الفرص، بعيداً من الطائفية والفساد والمصالح الحزبية الضيّقة.
وبعد الانتفاضة، أتى زمن الكورونا الذي أظهر تحلّي معظم اللبنانيين بالمسؤولية الوطنية والقومية،  أفراداً وأحزاباً ومجموعات سياسية واجتماعية، وانصرفوا بكل صدق وبروح تعاون وتضامن، للمساهمة وبفعّالية في مواجهة وباء كورونا، والعمل بوحي من الوطنية والإنسانية والضمير المسؤول.
A+
A-
share
أيار 2020
أنظر أيضا
07 أيار 2020 بقلم جاد ملكي، باحث
07 أيار 2020
بقلم جاد ملكي، باحث
07 أيار 2020 بقلم جنى الدهيبي، صحافية لبنانية تعمل في جريدة المدن الإلكترونية وتتعاون مع عدد من المنصات العربية
07 أيار 2020
بقلم جنى الدهيبي، صحافية لبنانية تعمل في جريدة المدن الإلكترونية وتتعاون مع عدد من المنصات العربية
07 أيار 2020 بقلم آمال شريف، ناشطة ومديرة عامة لجمعية "حلتك"
07 أيار 2020
بقلم آمال شريف، ناشطة ومديرة عامة لجمعية "حلتك"
أحدث فيديو
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam

السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة

حزيران 03, 2022 بقلم امل عيسى، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
25 أيلول 2022 بقلم سمير سكيني، صحافي
25 أيلول 2022
بقلم سمير سكيني، صحافي
25 أيلول 2022 بقلم فيفيان عقيقي، صحافية
25 أيلول 2022
بقلم فيفيان عقيقي، صحافية
25 أيلول 2022 بقلم جواد سيف الدين، -
25 أيلول 2022
بقلم جواد سيف الدين، -
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد