ضحايا منسيّون لأزمات لبنان

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 09 كانون الأول 20 بقلم جمانة فرحات، صحافية 5 دقائق للقراءة
ضحايا منسيّون لأزمات لبنان
حسين بيضون
لأن المصائب لا تأتي فرادى، كان لبنان على مدى أقل من عام على موعد مع 3 أزمات متلاحقة. بدأ التدهور مع المحنة الإقتصادية جرّاء انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار، وتبعها وباء كورونا وما فرضه من تدابير إحترازية شملت اغلاقاً عاماً تكرر أكثر من مرة، قبل أن يأتي إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس الماضي، مدمراً أجزاء واسعة من العاصمة.

لأن المصائب لا تأتي فرادى، كان لبنان على مدى أقل من عام على موعد مع 3 أزمات متلاحقة. بدأ التدهور مع المحنة الإقتصادية جرّاء انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار، وتبعها وباء كورونا وما فرضه من تدابير إحترازية شملت اغلاقاً عاماً تكرر أكثر من مرة، قبل أن يأتي إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس الماضي، مدمراً أجزاء واسعة من العاصمة. حاصرت الأزمات الثلاث، وإن بدرجات مختلفة، جميع القاطنين على الأراضي اللبنانية.

شكل العمال المياومون، العمال الأجانب، واللاجئون، الفئات الأكثر تضرراً من الأزمة لأنهم ببساطة الأكثر هشاشة، يعيشون يوماً بيوم من دون أي ضمانات ماليّة أو صحيّة. ولم تتأخر تداعيات هذه الأزمات في الإنعكاس على نمط حياتهم اليومي.

في ما يخص العمال اللبنانيين المياومين، وجد الآلاف منهم أنفسهم معطّلين عن العمل، سواء لتخلي مؤسساتهم عنهم أو بسبب التراجع الذي ضرب القطاعات التي يعملون فيها مثل المرفأ وقطاع البناء. وأصبح هؤلاء العمال لا يعرفون كيف يتدبّرون أمورهم المعيشيّة اليوميّة.

كان هؤلاء أمام خيارات أحلاها مرّ، في ظل غياب الحكومة عن القيام بدورها لجهة تقديم مساعدات إجتماعية واقتصادية. وسجل في الأشهر الماضية تنامٍ في ظاهرة الهجرة العكسيّة من المدن الكبرى، تحديداً من بيروت باتجاه القرى والأرياف، حيث تكلفة السكن أقل أو يمكن تفاديها. كما عادت ظاهرة الهجرة غير النظاميّة، وإن بأعداد محدودة، عبر "قوارب الموت" باتجاه الدول الأوروبية. وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذتها السلطات سريعاً لكبح هذه الظاهرة، إلاّ أن معدلاتها قد تكون معرّضة للإرتفاع في أي لحظة.

أما العمال الأجانب، تحديداً الذين يقطنون في دائرة إنفجار مرفأ بيروت الأكثر تأثراً، فوجدوا أنفسهم مجبرين على مواجهة أزمات الإنهيار الإقتصادي وكورونا وانفجار المرفأ في آن معاً. من جهة خسر على الأقل العشرات منهم المأوى (لا إحصاءات دقيقة في شأن عددهم)، واضطروا إلى الإنتقال للسكن لو مؤقتاً لدى معارفهم في ظروف صعبة، وهم يدركون أن فرص تعويضهم عن خسائرهم منخفضة مقارنةً باللبنانيين. كما تراجعت مداخيلهم الشهرية، وأصبح ما يجنونه لا يكفي لتأمين تكاليف المعيشة. ونتيجة لكل ذلك، إضطروا إلى التوقف عن تحويل الأموال إلى ذويهم، خصوصاً مع تخطي سعر الدولار في السوق السوداء مداخيلهم في شهر كامل. من كان محظوظاً منهم توفرت له فرصة للعودة إلى بلده. أما من تبقى منهم، وتحديداً الذين لديهم مشاكل في أوراقهم القانونية، فإنهم مجبرون على انتظار إيجاد حلول لهم. هذه الحلول يصعب توافرها إلاّ من خلال إجراءات واضحة تنخرط فيها الدولة اللبنانية وسفارات الدول التي ينتمون إليها، على أن تؤدي فيها السلطات اللبنانية دور المُسهِّل (مثل السماح بتسوية أوضاعهم القانونية عبر إعفائهم من الغرامات). ومن يخضعون منهم لنظام الكفالة، باتوا على نطاق واسع محرومين من الحصول على رواتبهم بالدولار كما يفترض بموجب عقود عملهم، أو بما يعادلها بالليرة اللبنانية حسب سعر الصرف في السوق السوداء، وذلك نظراً إلى عدم قدرة أو امتناع مشغّليهم عن تأمينها، وقصور فاضح في نظام منصة مصرف لبنان الذي يفترض أنه يسمح بتحويل الأموال لهم على سعر دولار يعادل الـ 3900 ليرة. وفي كثير من الحالات، تمّ التخلي عن العاملات في الخدمة المنزلية من قبل أرباب العمل وتركهن أمام أبواب سفارات بلادهن (إثيوبيا ونيجيريا نموذجاً)، قبل أن تتدخل منظمات غير حكوميّة لمساندتهن عبر تأمين مأوى مؤقت لهن، من دون أن تكون قادرة بمفردها على معالجة تداعيات هذه الأزمة.

وإذا كانت صور معاناة المياومين والعمال الأجانب تنطبق على اللاجئين، تحديداً السوريين منهم، فإنّ هؤلاء يواجهون مشكلة إضافية أخيراً. فقد أصبحوا يتعرّضون لانتقادات متزايدة جراء المساعدات التي يحصلون عليها من الوكالات الأمميّة. وتُرصد حالات عدة يشكو فيها لبنانيون من ظروفهم الصعبة ويعمدون إلى مقارنتها بأوضاع اللاجئين وما يقدم لهم من مساعدات غذائيّة أو طبيّة وحتى في مجال التعليم، قبل أن يخلصوا إلى استنتاجهم الخاص وغير الدقيق بأن "أحوال اللاجئين أفضل".

وظهرت مؤشرات حالة الإحتقان المجتمعي، على نحو خاص عقب إنفجار مرفأ بيروت، إذ تمّ توثيق حالات حُرم منها أو منع فيها اللاجئون من الحصول على مساعدات كانت توزع في مناطق متضررة تحت عنوان أنها "مخصّصة للبنانيين فقط". كما سجلت حالات تعرّض فيها اللاجئون لممارسات عنصرية ومضايقات خلال وجودهم أمام مقار جمعيات أو خيم إغاثيّة. حدث كل ذلك على الرغم من الأضرار التي طاولتهم جراء الإنفجار. وأظهرت الإحصاءات مقتل وإصابة العشرات من اللاجئين، فضلاً عن فقداد أعداد منهم لأماكن سكنهم وحتى خسارة وظائفهم، خصوصاً من يعمل منهم كمياوم في المرفأ أو في مؤسسات متضررة جراء الإنفجار.

وإذا كانت التجارب العالميّة تربط بين فترات الركود والأزمات الاقتصادية وبين تصاعد خطاب الكراهية ضد الأجانب عموماً، فإن ما يجري في لبنان تجاه اللاجئين لا يمكن فصله عن خطاب سياسي تقوده أحزاب فاعلة، ويفضي إلى تعزيز حالة العداء تجاههم.

على الرغم من الجهود التي تبذلها بعض المنظمات غير الحكوميّة في سبيل التصدي لهذه الظاهرة، إلاّ أنها لن تكون كافية لمحاصرتها نظراً إلى تطلّبها حراكاً على أكثر من مستوى. رسمياً، تبرز حاجة ملحّة إلى تبني السلطات سياسة واضحة تجرّم خطاب الكراهية وأي ممارسات عنصريّة. كما يتطلّب الأمر توقف سياسيين عن تأجيج مشاعر الكراهية والعداء تجاه اللاجئين. كذلك يفترض أن تؤدي وسائل الإعلام دوراً في التصدي لهذا الخطاب، وتفنيد المزاعم الخاطئة التي يتمّ الترويج لها.

يضاف إلى كل ذلك، ضرورة أن تأخذ برامج المساعدات المقدمة من المنظمات الأمميّة ومؤسسات المجتمع المدني في الإعتبار، وعلى نحو أفضل، حاجات المجتمعات المحليّة التي يوجد فيها اللاجئون، وضمان استفادة جميع الأطراف من أي برامج مساعدات للحدّ من احتمال تفاقم التوترات المجتمعيّة.

A+
A-
share
كانون الأول 2020
أنظر أيضا
23 أيلول 2021 بقلم آنا ماريا ضو ، مسؤولة قسم الأبحاث والتعليم الافتراضي في معهد المواطنة وإدارة التنوع - مؤسسة أديان
23 أيلول 2021
بقلم آنا ماريا ضو ، مسؤولة قسم الأبحاث والتعليم الافتراضي في معهد المواطنة وإدارة التنوع - مؤسسة أديان
23 أيلول 2021 بقلم ميريام سويدان، صحافية
23 أيلول 2021
بقلم ميريام سويدان، صحافية
أحدث فيديو
تحميل المزيد