رائحة سوريا البعيدة تعبق من مطابخ في لبنان

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 أيار 14 6 دقائق للقراءة
رائحة سوريا البعيدة تعبق من مطابخ في لبنان
لم تشأ آلاء أن تعرض آلة عجن الكبّة إلاّ بعد تنظيفها وتلميعها وتركيبها لتكشف «السرّ» وراء الكبّة الشامية التي تعدّها. احتضنتها كأنها تحتضن طفلها أو صرّة «جْهازها» وهي تنتقل من بيت أهلها في القابون إلى برزة. ففي ليلة نزوحها، كان أفراد عائلتها يفرّون تحت القصف، وهي تحتضن آلة بيضاء وتركض وراءهم. «تركت كل شيء وحملتها، إنها باب رزقي. كنت أعدّ الكبّة للمناسبات لأساهم في إعالة أسرتي».
ستبقى صورة السيّدة البيضاء النحيلة الراكضة بآلة كبّة تحت القصف، في الخلفية أثناء شرحها بثقة كبيرة عن فوائد الكبّة المشمشيّة التي أعدّتها في مطبخ «كاريتاس» بمركز الجمعية في الرميلة جنوب لبنان، في إطار مشروع ينفذه مطعم «طاولة سوق الطيّب» بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
تشرح آلاء أصل تسمية الكبّة المشمشيّة أمام الشيف الحلبي عبدو الزين الذي انتُدب مع خبراء طهو آخرين ليقيّم أداء المشاركات في الدورة: «حبّة الكبّة بحجم حبّة المشمش وتقدّم مع اللبن والسلق والفول الذي ينبت في موسم المشمش أيضاً، وهي موسمية لأن مكوّناتها كثيرة وقد تكون مكلفة للعائلات البسيطة».
تتوسّط آلاء زميلاتها من نساء سوريات حفظن تواريخ النزوح عن سوريا كأسمائهن، «أنا اسمي هالة، في 24 من هذا الشهر أكمل العام على تركي سوريا»، تقول وهي تقف على الشرفة إلى جانب زميلتها صفاء التي تشوي الكبّة الصاجيّة على منقل الفحم. صفاء التي تتخيّل نفسها على شرفة منزلها في جوبر المطلّة على دمشق، لا تتقبّل كثيراً ملاحظات الشيف على كبّتها، «طعم الكبّة في سوريا مختلف. لو أنه يتذوّق الكبّة التي كنت أعدّها هناك لكان أعطاني علامة خمسة من خمسة»، وتضيف بحسرة «قد يكون وجع النزوح غيّر طعمها».
تتمرّن صفاء وهالة وآلاء ومهدية ونور الهدى وماجدة والأخريات على الطهو في مطبخ بعيد جداً عن مطابخ بيوتهن في ادلب ودمشق والقابون وحرستا وبرزة. يعجنّ بأياد متعبة الكبّة النيّة الادلبيّة مع معجون الحر وألم الغربة، يحشين الكبّة المبرومة بالفستق واللحمة والكثير من الذكريات وتسقط في حساء العدس قصص من بيوتهن التي محت أثرها المعارك.
أصغت المشاركات في الدورة من نازحات سوريات وسيدات لبنانيات بإنصات إلى ملاحظات الشيف على كل واحد من الأطباق التي أعددنها. اعترضن، شاكسن، فرحن بالعلامات العالية وقبلن الملاحظات، ففي النهاية تهدف الدورة إلى شحذ مهاراتهن في طهو الأطباق السورية على أنواعها و«تبادل الخبرات» مع اللبنانيات المشاركات، بحسب تعبير ماجدة، التي أعدت الكبّة المشويّة على الطريقة اللبنانية.
ومن وراء حاسوبها المحمول الذي تضعه على طاولة مليئة بسبعة أصناف من الكبة الشاميّة والحلبيّة والإدلبيّة، تطلب مديرة المشروع في مطعم «طاولة» جيهان شهلا، من المشاركات إعطاء علامات على نكهة الأطباق وطريقة تقديمها. وتفرح عندما تنال إحداهن علامة كاملة من الشيف وتصفّق وتطلب من الجميع التصفيق.
تشرح شهلا، أثناء محاولتها اليائسة تهدئة النساء المتحلّقات حولها لالتقاط صورة جماعية، بأن الدورة تستمر ثلاثة أشهر وهي الثالثة في إطار المشروع، «تمّ استهلالها بجلسات نظرية حول السلامة الغذائية والتوضيب والتسعير». وسيتم في ختام الدورة اختيار الأطباق المميّزة كي توضع على قائمة طعام خاصة في مطعم «طاولة» في بيروت باسم وشعار على غرار «أطايب زمان»، وهو ثمرة الدورة الأولى التي جرت في الدكوانة. كذلك سيتم اختيار الأفضل بين المشاركات لكي يقمن بالطهو هناك. وسيكون للنساء أيضاً جناح خاص في «سوق الطيّب» في أسواق بيروت، يعرضن فيه كل سبت منتجاتهن ويحظين بفرصة لجذب زبائن.
تقوم النساء في الدورة بالطهو مرتين في الأسبوع إذ سبق أن أعددن الحلويات السورية وأطباقاً تقليدية أخرى مثل البسمشكات الشهيرة، ولكنهن يؤكدن أن يوم الكبّة كان أكثر يوم شعرن فيه أنهن أقرب إلى سوريا. «ذكّرنا هذا اليوم بالجَمعة الجميلة، والأكل الدسم. بالأيام التي كنّا نأكل فيها الكبّة حتى التخمة والتنبلة»، تقول نور الهدى التي لم تمنعها جدّية الشيف من الوقوف وإلقاء أبيات شعر من تأليفها: «قالولي شو هيّي الكبّة قلتلهن حبّة ومحبّة، برغل لحمة بصل وجوز منخبّيهن جوّا العبّة، حبّة حبّة غبّة غبّة انشالله بتدوم المحبّة لناكل ونكبكب كبّة».
تأمل هذه السيّدة الوقورة التي فرّت مع عائلتها وعائلة والدها الشيخ من حرستا، في أن تكون من بين اللواتي يتم اختيارهن للطهو في مطعم «طاولة» وفي «سوق الطيّب»، «لأرفع الضيم عن أهلي وأولادي ولا أضطر الى تحمّل ذل الانتظار أمام أبواب المنظّمات».
ولكن على طرف الطاولة التي وضعت عليها الأطباق، جلست حنان التي لم تعدّ في ذلك اليوم أي شيء، كان حزنها أكبر منها، عيناها دامعتان وتخاف أن تبكي كي لا تنغّص ذلك اليوم على زميلاتها. فرغم أن الهدف من الدورة قبل كل شيء هو الترويح عن اللاجئات وإعطائهن الأمل والثقة بالقدرة على الإنتاج، لم تتأثر حنان التي بقيت شاردة طوال الوقت وإن سألتها بماذا تشعرك الدورة، تخبرك قصة نزوحها ومعاناتها، وإن حاولت أن تستفسر عن مدة الدورة، تؤكد لك أن الأزمة في سوريا ستطول.
 
سوريا تنتقل بالنكهة إلى لبنان
تغيّر وجه سوريا.. هذه البلاد الجميلة التي تعبق بالتاريخ لم تعد كما كانت، فالحرب نجحت في تدمير الكثير فيها، ومن استطاع الهرب، نجا، حاملاً معه فواجع وآلاماً، ومن بقي، سلّم مصيره لتحدده بنادق المتحاربين. ولكن وجه سوريا الحقيقي مطبوع في أمتعة اللاجئين القليلة ورائحتها عالقة على ثيابهم المغبّرة من الترحال الطويل. ويقوم بعض السوريين بتهريب سورياهم من أمام آلة الحرب، كل على طريقته، ففي حين يهرّبها البعض في الكتب والأغاني والأشعار والمعارض الفنيّة، يحفظها البعض الآخر في الأطباق التقليدية التي يتم إعدادها في مطاعم تفتتح في بلاد اللجوء بينها لبنان.
«أبو الخير» مثلاً، صاحب مطعم «البيت الشامي» في قصقص، يحمل سورياه في أطباق «الأوْزة» والكبّة و«البرك» و«اليالنجي» و«اليبرق»، ويوظّف طهاة سوريين لإعدادها على أصولها لزبائن معظمهم لبنانيّون. ولا يكتفي بذلك بل يسوّق منتجاته مثلّجة، عبر متجر «سوق الخير» في منطقة كركول الدروز.
الأمر نفسه يقوم به وسيم أصفري، الشريك في مطعم «أبو وسيم» في شارع الحمرا، ولكنه يؤكد أن هدفه الأساسي من المطعم هو خدمة السوريين ومن ثم اللبنانيين عبر تقديم الشاورما على الطريقة السورية ومأكولات تقليدية مثل الشرحات والصفيحة السورية. ويقول إن الحنين يدفع الكثير من السوريين إلى ارتياد مطعمه الذي «طوّرنا فيه مفهوم مطعم الشاورما من محل صغير فيه سيخ أو سيخين إلى مطعم يجلس فيه الزبون ويأكل على مهل».
ويقرّ أحمد أحد زبائن «حبّة مسك» في شارع الحمرا الذي يقدّم أيضاً أطباقاً سورية تقليدية، بأن حنينه هو الذي يأخذه إلى ذلك المطعم مثله مثل فراس النازح من برزة، الذي يجعله حنينه أيضاً يطلب من صاحب الفرن قرب بيته في تلّة الخيّاط أن يعدّ له منقوشة بحجم المنقوشة السورية وأن يضع فيها الخلطة الخاصة التي أعدّها على طريقة أمه.
ولكن أصحاب المطاعم السورية في لبنان، محظوظون مقارنة بأقرانهم السوريين الذين لم تسمح ظروفهم المادية بذلك، والذين لا تزال مطاعمهم التي أغلقوها في سوريا، مقفلة أو مقفرة تنتظر انتهاء الأزمة ليعود إليها من رحلوا فتشرّع أبوابها من جديد.
A+
A-
share
أحدث فيديو
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam

السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة

حزيران 03, 2022 بقلم امل عيسى، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
25 أيلول 2022 بقلم جواد سيف الدين، -
25 أيلول 2022
بقلم جواد سيف الدين، -
25 أيلول 2022 بقلم حسين موسى مرعي، -
25 أيلول 2022
بقلم حسين موسى مرعي، -
25 أيلول 2022 بقلم غنى شهوان، -
25 أيلول 2022
بقلم غنى شهوان، -
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد