النزوح السوري: فوائد اقتصاديّة لمأساة إنسانيّة

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 أيار 14 9 دقائق للقراءة
النزوح السوري: فوائد اقتصاديّة لمأساة إنسانيّة
مع بداية سنة 2014 زاد عدد اللاجئين السوريين في لبنان عن مليون لاجئ، وارتفعت حدّة الأصوات المعارضة لهذا الوجود، وزادت معها الحجج الرافضة لتدفق النازحين الهاربين من جحيم الحرب في بلادهم.
إذا كان من المستحيل إنكار الأزمة الديموغرافية والاجتماعية والسياسية التي يسبّبها هذا النزوح وخصوصاً مع الانقسام السياسي الحاد في لبنان حيال ما يجري في سوريا، إلاّ أنه يصعب علينا أن ننكر طغيان الخطاب «العنصري» والرافض للنازحين السوريين، والذي ساهم في الترويج لصورة سوداوية تجعل «اللبناني» عموماً ضحية وجود النازحين السوريين في بلاده.
الخطاب العنصري طغى على الحقيقة العلمية، فالصورة ليست بالسواد الذي يتم الترويج له، وليس من باب المبالغة القول ان مصائب السوريين أتت بنتائج سلبية على جيرانهم، ولكن في جزء منها أتت أيضاً ببعض الفوائد.
تكمن الفوائد بشكل خاص في المسألة الإقتصادية، ومن اللافت أن هذا الجانب لم يحظ بعد بدراسات مفصّلة في لبنان. وثمّة تردد في التطرق إليه من الاختصاصيين لما له من تأويلات سياسية تضر بخطاب كلا الفريق المتناحرين في لبنان، لذا يفضلون الكلام في العموميّات أو يحرصون على عدم ذكر أسمائهم، «لأن الأرقام الدقيقة ليست في متناول اليد».
لا إحصاءات رسمية عن رؤوس الأموال التي تمّ تحويلها إلى لبنان، أو بالأصح الأموال التي تمّ تشغيلها في لبنان من متموّلين سوريين فروا من بلادهم، والأسوأ أنه يصعب الوقوع على دراسة تحدد ميادين توظيف الأموال السورية، لكنّ ثمّة إجماعاً على أن هذه المبالغ تخطت عشرات ملايين الدولارات.
بداية، يتم اعتماد مبلغ 15 مليار دولار كرقم تقديري لحجم الودائع السورية في المصارف اللبنانية، وهو رقم تقديري بسبب قانون السرية المصرفية التي يحرص القطاع المصرفي في لبنان على تطبيقه منذ عقود كواحدة من الضمانات الكبرى التي سمحت لرؤوس الأموال من الهرب من سياسات التأميم في دول عربية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. أما في الفترة الحالية، فإن التهديدات الأميركية بضربة ضد سوريا، وبحصار ضد البلاد، كلها أمور شجعت أصحاب الأموال على تهريب مدخراتهم، بل ثرواتهم إلى المصارف اللبنانية التي تحظى بثقة أكبر لدى رجال المال السوريين.
لكن لا بدّ من التذكير بأن هذه المسألة بالذات شهدت مناقشات حسّاسة، خصوصاً مع التخوّف من قيام شخصيات سورية بفتح اعتمادات هي عبارة عن حسابات لتبييض الأموال. وفي هذا الإطار، يُشار إلى أنه في الفترة الأخيرة، اعتمدت تدابير حازمة جداً في شأن قدرة النازح السوري على فتح حساب مصرفي له في لبنان. لكن بعد مداولات بين رجال المصارف في لبنان ونقاش مع حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، تمّ التوصل إلى أن عملية مقاطعة كل رؤوس الأموال السورية يجب أن لا تكون شاملة لجميع السوريين، خصوصاً وانه يوجد عدد كبير من المستثمرين السوريين يقومون بأعمال سليمة ولا تمت بصلة لعمليات تبييض الأموال أو ما يُعرف بتمويل الارهاب، وهذه النصيحة كانت الأساس الذي استند إليه أصحاب المصارف في قبول ودائع جديدة للسوريين.
القضية الثانية التي ساهمت في نقل أموال كبرى نحو لبنان، تتلخّص أيضاً بالنتائج الميدانيّة للمأساة السورية الحالية، وما جرّته من ويلات في عدد من المدن والأرياف وتقلّص القدرة على التنقل نتيجة الوطن الأمني المتدهور، وتراجع القدرة الشرائية عند السوريين وارتفاع سعر صرف الليرة السورية، كلها أمور دفعت بما يقدر بمئات – بل أكثر- من أصحاب المصالح المتوسطة إلى إعادة فتحها في لبنان. ففي منطقة البقاع الأوسط يمكن الوقوع على عدد كبير من المطاعم التي لم يكتفِ أصحابها بنقل مصالحهم إلى لبنان، بل قاموا بنسخ أسماء تلك المطاعم واستنتساخ ديكوراتها، في مشهد يصلح لفيلم تجريبي حيث يقتلع المطعم من مكانه الأصلي ليُعاد غرسه كما هو في مكان آخر. هكذا كانت الحال بين سوريا ولبنان، وتمّ إنشاء مطاعم ومتاجر تصنيع حلويات في مختلف المناطق اللبنانية من قبل نازحين سوريين من الطبقة الفقيرة بتكاليف متوسطة أو شبه معدومة، وتسهم بعض هذه المطاعم في تشغيل نازحين سوريين (يصرفون ما يجنونه في لبنان بالطبع) كما أن هذه المطاعم تشتري حاجاتها من المستودعات اللبنانية. ويجمع عدد من الناشطين والاقتصاديين على استحالة التحدث عن أرقام تتعلق بهذه الفائدة لأن عمليات إقامة المطاعم والمخابز الصغيرة والمتوسطة ما زالت في كثير من الأماكن، عشوائية.
مع تزايد مأساة النازحين السوريين، ولجوء مئات الآلاف منهم إلى العيش في خيم أو تكدّس العشرات في منزل واحد، وتسليط الضوء على فقرهم وعدم قدرة عدد كبير منهم على تأمين الحد الأدنى من حاجاته، قامت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باعتماد البطاقة الإلكترونيّة التي تُسلم الى العائلات التي تملك من يعيلها - وهي كثيرة - وبموجب هذه البطاقة يُسلم لكل نازح من أفراد العائلة مبلغ 44 ألف ليرة شهرياً، وبذلك فإن مئات آلاف الليرات تُصرف في لبنان شهرياً نتيجة هذه البطاقات.
كما أنّ عدداً كبيراً من الجمعيات غير الحكومية تلقى مساعدات من مانحين أجانب لتعمل على مساعدة النازحين السوريين، وهذه المبالغ في ارتفاع مستمر مع استمرار عمليات النزوح وارتفاعها، ومع استمرار إقامة النازحين في لبنان. وقد تنوّعت مجالات التمويل لتشمل أنشطة مختلفة، بعضها تنموي وبعضها ذات طابع تربوي أو تثقيفي أو صحي أو ترفيهي، أي أن المستفيدين مباشرة من فرص العمل التي أتاحتها هذه الأموال الممنوحة الى جمعيات لبنانية، هم من مجالات مهنية مختلفة. وفي إطار الكلام عن الجمعيات والمساعدات، فإنه إضافة إلى البطاقة الإلكترونيّة، تقوم بعض الجمعيات ووزارة الشؤون الاجتماعيّة بتوزيع مساعدات عينيّة من أغذية وألبسة وأدوات تنظيف على النازحين، وهي جزء من المساعدات التي يرسلها المانحون لمساعدة النازحين السوريين.
ثمّة معطيات لا تؤثر إيجاباً على الاقتصاد اللبناني عموماً، بل لها وجهان، المستفيدون منها هم أفراد كأصحاب الشقق التي تمّ تأجيرها، أو أرباب العمل في ورش الإعمار وتعبيد الطرق والبنى التحتيّة وما إلى ذلك. فمع ارتفاع عدد النازحين زاد عدد اليد العاملة في هذه المجالات، وانخفض للأسف معدل الأجر اليومي للعامل نتيجة الخلل الكبير في عملية العرض والطلب، كما أن ارتفاع الحاجة إلى مأوى، أمر استثمره أصحاب الشقق في لبنان ليرفعوا من معدل إيجارات البيوت، مما عاد بمزيد من الأموال على جيوبهم الخاصة.
المسألة الأخيرة التي يجدر التوقف عندها تتمثل بالتأثيرات السياسية للأزمة السورية والواقع الأمني المتردي في لبنان، وتعطيل عدد من المؤسسات التجارية وتراجع القدرة الشرائية- فيما يرى بعض الاقتصاديين أنه يصح الكلام بالأحرى عن تراجع «الرغبة الشرائيّة»، وهي أمور ساهمت الأموال السورية المنقولة في التخفيف من وطأتها. وهذه المعالجة لا تعني بالتأكيد إمكانية أن ينفي المراقب ما يعانيه لبنان من أزمة النزوح السورية إلى لبنان، وبعض هذه النتائج من فعل اللبنانيين أنفسهم وبسبب غياب رقابة الدولة على الممارسات المختلفة، حيث تشكل قضية ارتفاع أسعار إيجارات الشقق مثالاً بارزاً، إذ أن الدولة لم تضع سقفاً لها. كما أن الكلام عن طرد موظفين لبنانيين في قطاعات مختلفة واستبدالهم بآخرين سوريين بأجور أقل مما يتقاضاه اللبنانيون، هي ظاهرة لم يُحدد حجمها بفعل غياب الرقابة وعدم تسجيل العاملين في هذه المؤسسات لدى الجهات الرسمية المختصة. ولكن أياً يكن عدد اللبنانيين المطرودين من العمل لمصلحة سوريين، فإنّ المستفيدين من ذلك هم أرباب العمل اللبنانيين الذين لا تتم ملاحقتهم قضائياً ولا مراقبتهم من أجهزة الدولة والوزارات المعنية.
 
 
الدراما اللبنانيّة يحييها السوريون
منذ بداية الأزمة السورية شكّل لبنان واحداً من أبرز المقاصد التي لجأ إليها صنّاع الدراما في سوريا. هنا لا يمكن أن ننكر أن هذه الصناعة في سوريا اتخذت مكانة مهمة جداً في خريطة العالم العربي، بل أنها كانت الأكثر جاذبية بالنسبة الى المشاهدين في مختلف الدول العربية. الحال كانت مختلفة في لبنان، إذ لم تستطع صناعة المسلسلات أن ترقى إلى مستوى تنافسي، وكانت عملية الانتاج مرتبطة بمتطلبات التلفزيونات اللبنانية على قلّتها.
النزوح «الدرامي» السوري إلى لبنان ومصر ودبي، أفاد منه الفنانون اللبنانيون بشكل كبير. فجأة، أُفردت مساحات لممثلين لبنانيين ليظهروا كشخصيات رئيسيّة في أعمال لاقت رواجاً كبيراً، وإن كان الخلاف قائماً حول مستوى هذه الأعمال وقيمتها الفنية مقارنة بالمستوى العام الذي تمتعت به المسلسلات السورية التي كانت تُنتج قبل الأزمة. ولكن إذا تركنا جانباً النقاش الثقافي الفني والفكري لهذا الإنتاج وركزنا على العامل الاقتصادي، لا يمكن أن يختلف إثنان على الفوائد التي جناها لبنان من النزوح السوري. ففي عام واحد تمّ تصوير أكثر من خمسة مسلسلات في لبنان مع بداية الأزمة، بعض هذه المسلسلات صوّر وأُنتج بشكل كامل في لبنان، كمسلسل «حدود شقيقة»، وبعضها كـ «سنعود بعد قليل» صورت أجزاء كثيرة منه في بلاد الأرز.
 
 
تُقدر الميزانيات التي تُعتمد لمسلسل ما بما لا يقل عن مئات ألوف الدولارات. وبعض المسلسلات التي أُنتجت حملت توقيع مخرجين سوريين تخطت ميزانيتها عتبة المليون دولار، وعمل فيها ممثلون وفنيّون لبنانيّون، وطبعاً صُرفت أجزاء من هذه الميزانية في أماكن التصوير وكل ما يتعلّق باستئجار معدات تصوير وفنادق وأماكن التصوير من بيوت إلى فيلاّت ومطاعم وغيرها والاستعانة بمديري إنتاج من لبنان.
هنا تجدر الإشارة إلى أن العاملين في مسلسل ما يصلون الى العشرات بل أكثر، وتستمر فترة عملهم لأشهر متواصلة، وفي هذه الحال تستمر الحاجة إلى استئجار أماكن تصوير وفنادق يقيم فيها بعض الفنانين أو الممثلين. في مسلسل «حدود شقيقة» مثلاً، دبّ النشاط فجأة في قرية دوما القديمة حيث تمّت عملية التصوير لنحو شهرين في فصل الشتاء، وأقام كل العاملين في المسلسل في القرية، واستأجروا منازلها لتكون استديوهات التصوير، كذلك استعانوا بطيبعة الحال بمنتجات من متاجرها لتوفير الحاجات اليومية للعاملين في المسلسل. هذا المثال يمكن أن يعطي صورة عما يمكن أن تُنعشه الصناعة الدرامية، حيث المستفيدون هم من أهل المهنة مباشرة بالطبع. لكن ثمّة عجلة اقتصادية تدور بسبب عملية الانتاج هذه، وهي تشمل قطاعات مختلفة وغير متوقعة أحياناً. وفق مدراء انتاج متخصصين، لا يمكن أن تقل التكاليف المدفوعة لهذه القطاعات عن مئة ألف دولار خلال شهرين.
المتابع للأخبار الثقافيّة في لبنان سيتنبّه إلى أن بعض شركات الانتاج القديمة والجديدة باتت قادرة على استقطاب عدد من المخرجين العرب الكبار لم يعملوا في لبنان من قبل. حالياً، يقوم المخرج التونسي شوقي الماجري بتصوير مسلسل في لبنان بمشاركة ممثلين من جنسيات مختلفة، وهذا الأمر لم يكن ممكناً لولا الدفع السوري للانتاج الدرامي في لبنان. قبل الأزمة كانت سوريا هي قبلة الأموال الانتاجية الآتية من دول الخليج العربي، وكانت تجذب إليها بعض المخرجين العرب كالماجري تحديداً. اليوم باتت بعض هذه الأموال تُصرف في لبنان، وقد لعب منتجون سوريون كالراحل أديب خير الدور الأهم في توجيه هذه الأموال إلى بيروت من خلال مسلسل «روبي» الذي سمح لعدد من الممثلين اللبنانيين بالتواجد تحت إدارة مخرج سوري، فلفتوا الأنظار إلى قدرتهم على تأدية لون معيّن من الأدوار في إطار الرغبة لدى أصحاب الأموال بتقديم نماذج إنتاجيّة مقلدة للمسلسلات التركية.
استفاد اللبنانيون من الخبرة السورية في مجال انتاج الأعمال الدرامية، ومن «اللحظة» الراهنة حيث الرغبة بتقليد الإنتاج التركي عارمة، ومن قدرة السوريين على تقديم الألوان المختلفة، وقد شكل ذلك دفعاً لبعض المنتجين والمتموّلين لانتاج أعمال لبنانية بما يزيد عما كان يُنتج سابقاً.
من المفيد أن نلفت أيضاً إلى أنه في السنوات الأخيرة، راجت الدبلجة السورية للمسلسلات التركية. وهذه الدبلجة هي تحديداً ما سمح للأعمال التركية بالتواجد على الشاشات العربية، مع اشتداد الأزمة الأمنية في سورية نُقلت عمليات الدبلجة إلى لبنان ودبي، ويقوم بها ممثلون سوريون من الصف الثاني وتستفيد منها استديوهات الدبلجة في لبنان.
الكلام عن الانتاج الدرامي السوري في لبنان يكون بصيغة الحاضر، إنها عملية ستستمر مع استمرار الحرب في سوريا، وهي صناعة تُدر أموالاً طائلة إذا ما عرف البلد المستضيف كيف يوفّر لأهل الفن الامكانات اللوجستيّة والتقنيّة والاجتماعيّة الحاضنة لنشاطهم ولوجودهم فيه، فالخطاب العنصري اللهجة يثير مخاوف أهل المال ويشعرهم بأن وجودهم ونشاطهم الاقتصادي والثقافي أمر غير مرغوب به، هكذا سيقصدون محطة أخرى غير لبنان لتحتضنهم وتستفيد من أعمالهم وأموالهم.
A+
A-
share
أحدث فيديو
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam
السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة
SalamWaKalam

السكان المحليين في الشوف: بناء السلام من خلال البيئة

حزيران 03, 2022 بقلم امل عيسى، طالبة في الجامعة اللبنانية، كلية الإعلام
الأكثر مشاهدة هذا الشهر
22 أيلول 2022 بقلم سمير سكيني، صحافي
22 أيلول 2022
بقلم سمير سكيني، صحافي
22 أيلول 2022 بقلم فيفيان عقيقي، صحافية
22 أيلول 2022
بقلم فيفيان عقيقي، صحافية
22 أيلول 2022 بقلم مارك فياض، فنان
22 أيلول 2022
بقلم مارك فياض، فنان
شريك
شريك
الجامعة اللبنانية الجامعة اللبنانية
شريك
تحميل المزيد