حملاتُ الإغاثة اللبنانية للنازحين السوريين ديناميةٌ تطوّعية حافزُها إنساني وسلاحُها... "ما تيسّر"

salam wa kalam website logo
trending شائع
نشر في 01 حزيران 13 6 دقائق للقراءة
حملاتُ الإغاثة اللبنانية للنازحين السوريين ديناميةٌ تطوّعية حافزُها إنساني وسلاحُها... "ما تيسّر"
من نشاطات حملة Aid Syria في بيروت
ربّما لن تُمحَى ذكرياتُ وجع النزوح السوري في لبنان بسهولةٍ من وجدان بعض المتطوّعين الذين وجدوا أنفسهم، ومن دون ترددٍ، منغمسين في حكاية وجعٍ مزدوج: وجع المشاهد المأسويّة التي تخطّها مئات آلاف العائلات على الأراضي اللبنانية يومياً، ووجع ضعف الإمكانات التي كادت تكتب لحملات الإغاثة دور "المتفرّج" لولا بعض المبادرات الشخصيّة المحدودة وأموال أهل الخير والأصدقاء وبعض البرامج الإنسانية العاملة في لبنان ومعظمها تحت مظلة الأمم المتحدة.

اليوم، ومع اقتراب ملامسة عدد النازحين السوريين في لبنان نصف مليون مسجّل في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ينشط على خطّ بيروت-الشام حراكٌ مدنيٌّ أبطاله متطوّعون لبنانيون وسوريون وفلسطينيّون، رسالته إنسانيّة بامتياز أما سلاحُه فـ "ما تيسّر"... حراكٌ تجسّدت ديناميّته وما زالت في مجالاتٍ عدّة تجاوزت أطر المساعدات العيّنية الى جملة نشاطاتٍ غالباً ما يكون "النازحون الصغار" هدفَها الجوهري.

 

مسكّنٌ لا علاج

لم يكن ليث، ابن الأشهر الثلاثة، الطفل السوري الوحيد الذي يغادر مسرح الحياة في أحد مستشفيات بيروت. فكلّ يوم قد يُصاب ليث جديد بطفحٍ جلديٍّ يودي بحياته وحياة عائلته الهاربة من صخب المعارك الى ضجيج الموت في لبنان... ولم تكن زهرة، الطفلة الوحيدة، الباحثة عن حلم فستانها الزهري المغمور بالركام في ديارها... إنه القدر... قدرٌ وجد في حملات الإغاثة بلسماً لا علاجاً. فبالنسبة الى هؤلاء وذويهم العلاج الوحيد يكمن في الإياب القريب الى أرضٍ هادئة يعيدون فيها بناء بيوتهم وأحلامهم.

لم تولد الجمعيات التطوعيّة التي أخذت على عاتقها تأمين حاجات النازحين المادية وغير المادية منذ فترةٍ طويلة، بل كانت ثمرة تضافر جملة عناصر يتقدمها الارتفاع الجنوني في أعداد النازحين والظروف القاسية التي يعايشونها في ظلّ غياب الملاجئ والمخيمات الكفيلة بتوفير الحدّ الأدنى المقبول من شروط العيش. لهذه الغاية أبصرت حملات إغاثة كـ "سوا" و"Sarda" وAid Syria وسواها النور.

بوصلة اللاجئ... ضائعة

يؤكد المشرف العام في جمعية Sarda رامي سليمان أن "انطلاقة عمل الحملة اقتصرت على المساعدة في عملية الإحصاء والتسجيل في بيروت التي لم تكن مُغطّاة من المفوضيّة، كما اضطلعنا بتأمين حاجاتٍ بسيطة للأطفال على قدر إمكاناتنا. وبعدما تلمسنا الازدياد الكبير في أعداد النازحين والضغط النفسي الذي يعايشه معظم الأطفال، قررنا أن نفتتح مكتب نشاطات صغيراً في مخيمات بيروت نستقبل فيه الأطفال ليلهوا وينسوا مأساتهم". ولفت الى أن "الجمعية خلال سنةٍ تقريباً أفلحت في إنجاز مشاريع عدة كان أبرزها التكفّل بحالات الولادات والأوضاع الطبية للمولودين حديثاً، ناهيك عن الاهتمام بالوضعين النفسي والتربوي للأطفال النازحين في منطقة بيروت". وعن العوائق التي تحول دون توسيع الجمعية نشاطاتها الى خارج نطاق العاصمة قال سليمان: "إمكاناتُنا المادية ضعيفة". ولكن من يموّلكم؟ يجيب: "مبادراتٌ شخصية ومساهماتٌ من معارفنا ومن أهل الخير". وشدد على أن "المشكلة الكبرى تكمن في أن بوصلة اللاجئ في لبنان ضائعة خصوصاً في ظلّ غياب مخيّماتٍ أو معسكراتٍ تنظّم حياة اللاجئين، لا سيّما أن إيجارات المنازل تستنزفهم وتستنزفنا وتحول دون توظيف مساعداتنا في مجالات أخرى تربوية أو طبية أو حتى معيشية".

"فجأة أصيب ذاك الطفل بمرضٍ جلدي. أذكره. كان اسمه ليث. تأخرنا عليه. صمد شهراً وعشرين يوماً في المستشفى ثمّ فارق الحياة"، هي حادثة يصعب على ذاكرة سليمان محوها. فتماسُه شبه اليومي مع النازحين جعله يختزن قصصًا مأسويّة يرويها بحرقة.

 

"نريد أن نرسم الحياة"

ليست حالُ "Aid Syria" أفضل على مستوى إمكاناتها المادية المحدودة، بيد أنها لا تختلف في أهدافها العامة وظروف نشأتها عن تيار الجمعيات والحملات التي تُعتبر ابنة موجة النزوج السوري الى لبنان. اليوم ما يميّز هذه الجمعية بالذات أنها تضمّ عدداً كبيراً من الشباب والمراهقين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين الذين تطوّعوا لتقديم ما تيسّر من مساعداتٍ لأكبر عددٍ ممكن من النازحين. وفي هذا المضمار، تشير ريما تناني، إحدى المتطوعات في Aid Syria الى أن "الجمعية انطلقت مع مجموعةٍ من الشباب اللبنانيين الذين قرروا الاضطلاع بمساعدة النازحين السوريين في لبنان وحرصوا على تعميم رسالتهم الى العالم. ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي استطعنا أن نفرض أنفسنا وأن نحظى بدعم أكثر من 400 شخص في غضون أيام. اجتمعنا على عنوان جوهري مفاده العمل على الإغاثة الإنسانية بعيداً من أي أهدافٍ سياسية". وعن طبيعة المساعدات التي قدّمتها الجمعية ولا تزال، قالت تناني: "عملنا على تأمين الأغطية الشتائية ومستلزمات الأطفال الغذائيّة، والأهم من ذلك أننا توجّهنا الى مناطق لم تكن مشمولة ببرامج المساعدات لظنّ الجميع أنها لا تحتضن نازحين سوريين وتحديداً في الجنوب وأحياء في بيروت والناعمة والشويفات. وعدا المساعدات العينية، تبنّينا برنامج دعم نفسي للأطفال الواقعين تحت تأثير الأزمات والبيئة المحيطة بهم من خلال انتهاج طريقة الفنون المتعددة والألعاب الحركية الكفيلة بمساعدة الأطفال في تفريغ طاقاتهم. واليوم بدأنا نعدّ لسلسة نشاطاتٍ صيفيّة تفاعلية تندرج في كليّتها في خانة عنوان واحد: "نريد أن نرسم الحياة".

 

مكافأة مقابل كل رأس هرّ

ولفتت تناني الى أن "أساس نجاح عمل الجمعية قائمٌ على دينامية تفاعلية غير محدودة بين شبابٍ لبنانيين وسوريين وفلسطينيين اجتمعوا من أجل هدفٍ واحد بلا مقابل... مقابلُهم الوحيد هو إرضاء ضمائرهم الإنسانية". "كان المشهد مخيفاً... رأيتُ بأمّ عيني ذاك الطفل، ابن السنوات الثلاث بالكاد، يحمل رأس هرّ الى داخل الغرفة التي تغصّ بذويه. هناك كانت الصدمة. فوجئتُ بأن والديه يشجّعانه لا بل يعدانه بمكافأة مقابل كلّ رأس هرّ يقطعه لإيمانهما بأن فعلاً مماثلاً يجعل منه رجلاً قادراً على الدفاع عن نفسه"، تروي تناني. هي ليست سوى حادثة من مئات الحوادث التي تنهلها تلك المتطوّعة من يوميات تماسها مع مآسي النازحين. وتردف: "هذه الحادثة وسواها دفعتنا الى تركيز عملنا على الجانب النفسي لدى الأطفال". مشهدٌ ليس أقسى ربما من حكاية زهرة، تلك الفتاة التي ما زالت تحلم باستعادة فستانها الزهري بعدما اضطرت الى ارتداء ما توفّر رغم قناعتها بأن ما ترتديه قذر ولكنه الموجود. "خالة أنا عندي فستان زهر كبير وحلو ومرتّب" قالت زهرة... بدا واضحاً أنها كانت تحاول تبرير مظهرها المستجدّ الذي لم تألفه في ديارها.

 

 

 

12800 طفل

 لم تخرج جمعية "مجموعة سوا" اللبنانية عن موجة الحملات الإغاثيّة رغم أن وجودها في مجال العمل المدني الإنساني يعود الى قرابة 20 عاماً. فتلك الجمعية، وإن لم تكن وليدة الحاجة بيد أنها أبت إلاّ أن تكون في ركب الجمعيات "المنغمسة" إنسانياً في أزمة النازحين. ويؤكد المنسّق العام في الجمعية زكي رفاعي أن "عمل مجموعة سوا يتركّز في الدرجة الأولى في منطقة البقاع التي نزح اليها المواطنون السوريون بأعدادٍ كبيرة من دون أن يجدوا من يعيلهم، فأعددنا ملفاً خاصاً واتصلنا بمنظمات الأمم المتحدة، وبالفعل كان هناك تجاوبٌ مع مبادرتنا أفضى الى شراكةٍ هدفُها تقديم العون لهؤلاء النازحين". وشدد رفاعي على أن الجمعية "وصلت الى نحو 2050 عائلةً نازحة من معظم مناطق سوريا، وقدمت الخدمة الى قرابة 12800 طفل من المولودين حديثاً حتى 16 سنة، ونجحت في استقطاب ما لا يقلّ عن 120 متطوعاً سورياً. كما أنشأت فريق عمل طوارئ ينقذ العائلات الوافدة حديثاً، وحرصت على تلبية حاجات المخيمات غير الرسمية وبالتالي غير المُعترَف بها من خلال تأمين بديهيات العيش الغذائيّة والصحيّة".

 

"صورة محمد لا تفارقني"

"السبل ضيّقة شأننا شأن كل الجمعيات العاملة في هذا المجال. شراكتُنا مع "اليونيسف" عززت قدرتنا على تأمين بعض المساعدات للأطفال سواء كانت عينيّة أو تربويّة أو نفسيّة أو صحيّة. كما أقمنا شراكات مع مجموعة تجّار لبنانيين يمدّوننا ببعض المعونات" يقول رفاعي. ويختم: "الوضع مأسوي فعلاً، حتى إن صورة محمّد، ابن السنة ونصف السنة الذي فارق الحياة بمرضٍ عصبي في بعلبك، لا تفارق ذاكرتي. يومها لم يستطع أحدٌ أن يؤمّن له العلاج، ونحن كجمعية لا نمتلك مساعداتٍ علاجية أو أدوية، وكان الطفل في حاجة الى اختصاصي كما لم يكن مسجلاً في المفوضيّة".

 

إذاً هي ديناميةٌ عابرةٌ للحدود والجنسيّات وجدت "ضالّتها" في حكاية نزوح تتعدّد فصولها الموجعة، وفي انتظار الفصل الأخير الذي قد يحمل خواتيمها المشرقة، تبقى حملات الإغاثة اللبنانية بالنسبة الى النازحين السوريين بمثابة الأوكسيجين الذي يُبثّ في جسدٍ لا يجد الى العلاج سبيلاً.

A+
A-
share
حزيران 2013
أحدث فيديو
تحميل المزيد